تنطوي المعاجم والموسوعات الغربية على مغالطات خطيرة متعمّدة حول مختلف الأمم والشعوب التي كانت مستهدفة بالغزو العسكري والاستغلال الاقتصادي، حيث يأتي وضع المستهدفين تحت أنماط سلبية ساكنة عصيّة على التغيير بمنزلة التوطئة والتسويغ الأخلاقي لعمليات القهر والتعذيب وممارسة الإبادة الجمعية بحقّهم. بدأت الامبراطورية البريطانية ذلك، ثم تبعها المستعمرون الأوروبيون، وصولاً إلى ما يشبه التفرّد الأمريكي الراهن بممارسة هذا النهج الخطير من التنميط. المبالغة السياسية العالمية (الأمريكية على سبيل التغليب) في محو الفروق الفردية بين الشخصية والشخصية، والعمل السياسي الدؤوب على تنميط البشر، وحشر البشر جميعاً تحت أنماط تمثيلية تسلب المنضوي آفاق التنميط أي فرصة لرفع رأسه، بقصد الإعراب عن فرادته، وخصوصيته التي تجعله (شخصية) تملك حقّ التفرّد والاختلاف.
يبدو الجهاديّون الوهابيون جميعاً ذوي ملمح واحد، لا تستطيع فروق الإسراف في ارتكاب الفظاعات إقامةَ أي تمييزات بين شخصية جهاديّ وآخر, والأمر ذاته سعى الغرب إلى فرضه وترويجه، حيث وضع الجنود السوريون وحلفاؤهم أيضاً تحت نمط واحد, دأب الإعلام الغربي وأذياله العربية على شيطنته بدأب مريب, وجرى أيضاً تنميط الذين رفضوا الاصطفاف مع أمريكا وأدواتها المسلّحة، إذ جرت تعبئتهم جميعاً في الأوعية المعدّة مسبقاً لكي يتناوشها الجهاديون العالميون بما يرون من تقتيل واغتصاب وتشنيع وتعذيب وتهجير. محو الفروق الشخصية بين الإنسان والإنسان، وسجن الإنسان في مغاليق النمط يمثّل شكلاً خطيراً من أشكال الإغلاق المعرفي. وقد شهد القرن المنصرم ما يشبه الحملة العالمية للتبشير بالإنسان الخالي من الملامح الوطنية والقومية والثقافية, وقد استجابت دول عديدة لتلك الدعوة التي بدت في ظاهرها دعوة للمساواة بين الأمم والشعوب، فأصدرت طوابع بريدية يرتسم في كل منها رأس شخص مفرّغ من الملامح, فكأنّ الشخص المبشّر به أمريكيّاً، أي الشخص الخالي من السمات، هو (الروبوت) الذي تستمرّ الأدبيات الأمريكية في العمل على إحلاله محلّ البشر في كلّ شيء، بما في ذلك ممارسات الحب وتبادل المشاعر.
الأساس في عمليات التنميط قائم على منع المنمطّين من التطوّر والتغيّر، حتى لو أرادوا ذلك. وفي هذا الشأن يقول سويدنبورغ: «لا يفقد البشر خصالهم حين يموتون، فالهولنديون يستمرّون في الاشتغال بالتجارة، ويحتفظ الإنكليز برزانتهم وصمتهم واحترامهم للسلطة، ويتاجر اليهود بالمجوهرات، ولا يجازف الألمان بالإجابة عن أيّ سؤال يُطرح عليهم ما لم يتمعّنوا في المجلّدات الثقيلة التي يحملونها حتى يعثروا على الإجابة الصحيحة».

طباعة

عدد القراءات: 3