القلبُ ومكنوناتُه وسجاياهُ، خفقاتُه ومقاصِدها ودقَّاتُها وضالَّاتُها، .. كيف رآها أصحاب الأقلام والأحكام، وإلى أيِّ مدى أرادوا للقلوب أن تتفقّه وتتبصّر، وعلامَ ؟ وما نوع الصلة التي تربط كلَّ ذلك بتمتين حبل الودّ والصفاء بين الناس من جهة،  وبين الأهواء التي تشدّهم إليها من جهة ؟

يرى  أبو العلاء الشاعر الحكيم أنَّ القلب تابعٌ لما يهوى دائماً، ويعللُ هذا بأنه مطبوعٌ على ذلك، فالقلوب عند المعرّي لا تلتفت خارج إطار ما تهوى، يقول:

والقلبُ من أهوائهِ عابدٌ             عبادةَ الكافر من بده صنما

وفي موضعٍ آخر يقول:

أبَينا سوى غشِّ الصدور، وإنما       ينالُ ثوابَ الله، أسلمُنا قلبا

أما الشاعر أبو العتاهية، فيصوّر كيف  يكون دليل المرء  قلبه، وهو يخفق إلى ما يرتاح له خفق صدقٍ وتعيين، وكثيراً ما تُغْني عينُ  المرء عن الكلام ، فتفصح عن حقيقة الطويّة:

وللقلبِ على القلبِ                دليلٌ حين يلقاهُ

وللناسِ من الناسِ                 مقاييسٌ وأشباهُ

يُقاسُ المرْءُ بالمرءِ                إذا ما كان ماشاهُ

وفي العينِ غنى للعين        عن أن تدلي أفواهُ

ويرى الحسنُ بنُ الهاني (أبو نواس) أنّ أهواء القلوب تختلف من شخصٍ إلى آخر، مع اعتقاده الراسخ بأنّها مجنّدةٌ للخالق جلَّ وعلا، فالقلوب المتآلفة متعارفة وأما اختلافها فهو بمقتضى تناكرِها:

إنَّ القـلــوبَ لأجنــادٌ مجنّــدةٌ             لله في الأرض بالأهوالِ تختلفُ

فما تعارف منها ، فهو مؤتلفٌ            وما تنــاكر مــنها ، فهــو مختلفُ

الشريف المرتضى يرى أن لابد من التفكّر ثم التبصر بالقلب، لأن على المرء العاقل بأن يكون أوسعَ أفقاً من أن ينسيَهُ زوالُ آثار الخطر، بمرور الزمن، الوعيَ والحيطة والحذر:

فكِّرْ بقلبك فيما أنت تبصرُه             فالأرضُ مملوءةُ الإخطارِ بالعِبَرِ

ولا تبتْ جذلاً بالشيء يتركهُ           عليك خطبٌ جفا عمداً ولم يذرِ

ولا تقلْ فاتتِ الأخطارُ إن غربَتْ      فلم يفــتْ خطــرٌ إلّا إلى خــطرِ

ويقرأ الشاعر أحمد شوقي القلوب من خلال النتائج، فيرى لها انعكاساً على الأبدان، مشيراً إلى العلاقة الفيزيولوجية بين الأبدان والخوافق، فالقلوب المملوءة حسداً وغيّاً وأحقاداً يعكسها جميعها بلاءٌ على أجساد أصحابها:

وإذا القلوبُ استرسلت في غيِّها           كانت بليّتُها على الأجسادِ

الشاعر خير الدين الزركلي يحذر من تنافر القلوب، ويضمِّن ذلك دعوةً إلى التآلف والتقارب والتحابّ بين الناس:

ويحَ الرجالِ من القلوب           إذا تنافـــرتِ القــلـــوبُ

لا الرأيُ يرأبُ صدعها             يوماً، ولا النطسُ الطبيبُ

فلربما ائتلف البغيض            وربـمــا هجــرَ الحبـيــبُ

وأختمُ بخير الخواتم، ما نُسب إلى سيدِ أهلِ الحكمة والبصيرة النافذة في النُّهى والنَّقا والتُّقى:

واحرصْ على حفظِ القلوبِ من الأذى     فرجوعُهــا بعــد التنافرِ، يصــعُـبُ

إنَّ الـقـلــــــوبَ، إذا تــنــــافرَ ودُّهـــا      شبهُ الزجاجةِ، كسرُها لا يشعبُ 

طباعة

عدد القراءات: 1