بداية يمكن القول إن العلاقة المشتركة بين الشرح والفيلولوجيا تنبع أساساً من العلاقة الخاصة ما بين النص والسياق والتي تجعل معنى النص قادراً على الانفصال عن سياقه أي أن يخلص من سياقه الأولي ليندرج ثانية في وضعية ثقافية جديدة مع الحفاظ على هوية دلالية مفترضة ووفقاً لهذا الاعتبار تعمل مهمة الهيرمينوطيقا على الاقتراب من هذه الهوية الدلالية المفترضة عبر الاعتماد على فصل هذا المعنى من سياقه ووضعه في سياق جديد وتعد الترجمة من حيث المعنى الواسع للمصطلح بمثابة نموذج لهذه العملية العابرة وبالمقارنة مع البلاغة تتوفر الهيرمينوطيقا على مراحل حجاجية من حيث إنه يجب دوماً الإكثار من التفسير من أجل الزيادة في الفهم ما دامت تقوم بمهمة الفصل بين التأويلات المتنافسة وبين تراثات متنافسة..

إلا أن المراحل الحجاجية تظل مندرجة في إطار مشروع أوسع ليس هو إعادة خلق وضعية عن طريق الحسم لصالح تأويل مفضل بل إن هدف هذا المشروع يكمن في الحفاظ على فضاء التنويعات المفتوح وبالتالي يمكن القول إزاء هذه الحرية الهيرمينوطيقية إن مهمة أي فن تأويلي ما بالمقارنة مع مهمة الحجاج ليست هي ترجيح رأي على رأي آخر بل السماح لنص معين بأن يدل قدر المستطاع لا أن يدل على شيء دون آخر بل أن يدل أكثر وبالتالي أن يدفع إلى التفكير أكثر حسب عبارة الفيلسوف”لكانت” يؤكد من خلالها أن الهيرمينوطيقا هي إلى الشعرية أقرب منها إلى البلاغة التي مشروعها يكمن في الإقناع من حيث إنها تحتاج إلى الخيال المتواصل في بحثها عن فائض المعنى ومع ذلك لا ينفصل هذا الأمر عن عمل الترجمة والنقل المرتبط بعملية إعادة وضع دلالة منقولة من فضاء ثقافي إلى فضاء آخر في سياق جديد.

طباعة

عدد القراءات: 2