هناك مسألة هامة يفضي إليها موقف ابن رشد النقدي من نتاج أكثر من عشرة قرون من الأدب الفلسفي التفسيري تفصله عن زمانية الفكر الأرسطي تتعلق بأشكال التناظر البنيوي بين صورة الكون الرشدية وبين حدودها التي رسمتها المدرسة الفلسفية المشرقية ابتداء بالكندي وانتهاء بابن سينا اعتماداً على مقدمات تمزج بين مبدأ العلم وبين تمظهراته الوجودية الذاهبة بالمد الفيضي من المبدأ الأول الفياض إلى كل المراتب الكونية اللاحقة..

وربما كان أهم سؤال في هذا المستوى يصب في محاولة فحص مدى تمكن ابن رشد في كل النصوص المشكلة لمتنه الفلسفي الشارح من التجاوز الفعلي لكل الإشكاليات خاصة فيما يتعلق بالتدخل الفلسفي العقائدي المطلق في عالم تؤطره المعقولية ويحكمه النظام، وطبعاً من الأكيد أن أرسطو كان في هذه المسألة بالذات أستاذ ابن رشد الأوحد دون غيره من المفسرين ومن الأكيد أيضاً أن موقف ابن رشد من أسئلة المعلم الأول الأنطولوجية لم يختلف عن مكونات ثقافة شراح العصور الوسطى وعن مختلف أنساق القراءة التي حددت موقفهم المعرفي من أرسطو والأرسطية وأشكال تمثلاتهم لعالمها فالمعرفة الأصيلة لا ينبغي البحث عنها في العالم المادي نفسه بل إنها تنكشف أو تلج مقام الانفتاح من خلال تفسير وتأويل كتابات أرسطو على ضوء مرجعية برهانية دقيقة وقد كان ابن رشد يمارس شروحاته على النصوص الأرسطية بالرغم من أن الترجمة لتلك الشروحات كانت ركيكة إلا أنه كان يمتلك الاستطاعة لتجاوز تلك الصعوبات لأنه كان على وعي بحدود السلطة المعرفية الأرسطية وخصوصية رؤيتها للعالم ولم تكن تلك الركاكة في الترجمة تثنيه عن هدفه وطموحه في متابعة مشروعه لتأكيد صحة وصوابية الفلسفة الأرسطية الأولى.

طباعة

عدد القراءات: 2