آخر تحديث: 2019-12-10 05:29:05
شريط الأخبار

تاريخنا الذي نكتبه للمستقبل

التصنيفات: رؤى عربية

ليس التاريخ هو فقط ما يكتبه المؤرخ بل هو المؤرخ نفسه، وتتأكّد هذه الإشكالية في مفارقة تاريخ التأريخ، حيث المؤرخ هو نفسه حدث تاريخي، وإذا كان لابد من أن يؤرخ كل مؤرخ للتاريخ فعليه مهمة أخرى هي أن يؤرخ للحدث التأريخي والمؤرخ، وهذا يعني أن التّاريخ لا ولن يكتب مرة واحدة.
كل مؤرخ هو ابن سياقه التّاريخي، وابن بيئته الثقافية، فحين أعيد قراءة التاريخ فإنّني أعيد تأويل الحدث التأريخي وتأويل المؤرّخ نفسه لكونه ليس محايداً على الأقل في إطار النسق الخاص أو السياق العام.
تقتضي عملية إعادة كتابة التاريخ مساءلة النص التأسيسي قصد استنزافه، وأيضاً مساءلة المؤرخ بشأن ميوله واصطفافه وما حدود هذا الاصطفاف، فعملية إعادة كتابة التّاريخ هي عملية تأويلية تأخذ بالحسبان مناهج تحليل الحدث والوثيقة.
لا يوجد تأريخ إجماعي بقدر ما نتحدّث عن سياسة تاريخية، وكل سياسة لا تتنزّل إلاّ من خلال سلطة وغُلب. وسيكون من العبث أن نُقصي سائر التعبيرات التي يستبعدها التّاريخ أو يمنحها موقعاً في الهامش، وهي حين تلوذ بالهامش فحتماً ستحيط نفسها بمنطق مختلف ورموز تعبيرية مختلفة وربما احتوتها الأساطير. سيكون من الضروري حينئذ البحث عن اللغة المنسية للحدث الهامشي خارج منطق الأسطورة نفسها، لأنّ الوثيقة بالمعنى التّاريخي تحتاج سلطة لكن الأسطورة تعبر في معبر الخيال وتحفر حقيقتها في الرمزي.
ليست الأسطورة من إنتاج المجتمع القديم، فهي تُنتج ويُعاد إنتاجها في كل زمان، وهي ليست حالة خاضعة للتحقيب بل هي حالة مستمرة ومتجددة، فحيث لا توجد سلطة للحقيقة الكاملة وتوجد فقط سلطة لوجه من وجوه الحقيقة تصبح الحقيقة مُنشطرة وتحتاج أكثر من وسيلة للتدوين وأكثر من لغة للتوثيق.. في التحقيق التاريخي لا قيمة لأحكام القيمة بمعزل عن التطرف أو التسامح أو ما شابه ذلك.. التحقيق هو مجال حفر وتفكيك وتنقيب لإعادة ربط الوشائج بين وجوه الحقيقة والقبض على الوثيقة الكاملة.
الكل اليوم يكتب تاريخاً، ولكن لا أحد يكتب آثاره الكاملة، لم نعد أمام مهنة المؤرخ لأنّ عملية التأريخ تكاد تكون خاضعة لنظام «ساعد نفسك -help yourself». تراجعت وظيفة المؤرّخ داخل فوضى عارمة استبدلت الفوضى بالاحتكار، لكن الحقيقة دائماً ستكون هي الضحية أيّاً كان سبب الخطأ، الفوضى أو التّسلّط.
وسنجد للأيديولوجيا دوراً واضحاً في اتجاه التفسير للحدث التّاريخي. تمتلك الأيديولوجيا سحراً خاصّاً تتلاشى أمامه كل الأشكال الأخرى التي تشكل خطراً على الحقيقة، فالأيديولوجيا تغلّف كل المواقف الخاطئة بما فيها المواقف اللاّأخلاقية تجاه المعرفة والقيم، غير أنّ البدائل التي تتم من خلالها مزاولة فعل التأريخ هي شكل من التعددية الأيديولوجية، بينما الموضوعية هي الأخرى باتت جزءاً من خرائف العلم الحديث نظراً لاستحالتها، ولم يبق أمام هذه الظاهرة سوى تقديم تقرير كامل عما تريد وكيف تريد وكيف تستطيع أن تحرز الموضوعية في عمق انتمائك الظاهر أو السرّي، في عمق أحقادك الظاهرة أو السرية، في صلب خلفياتك الظاهرة أو السرية.. لا شيء قد انتهى: لا الأساطير ولا الأيديولوجيات ولا كل أشكال الزيف، بما فيها تلك التي تتعلق بالوثيقة، كل شيء بات في مصهر النظر، والتّاريخ هو ذلك الشيء الذي يجب إعادة التفكير فيه باستمرار، كتابته باستمرار، مساءلته باستمرار.
أتابع الأخبار وأتتبع ما يكتبه صحفي هنا أو هناك، ما يتوسّع فيه خبير حقيقي أو مغشوش، ألاحظ التكرار، إعادة إنتاج الموقف الأيديولوجي، الاصطفافات من دون قناعة بل اصطفافات ذات أبعاد تتعلّق بشراء الذّمم؛ أميّز هنا بين الأيديولوجي المتعسف على الحقيقة ولكنه مخلص لأيديولوجيته، وصنّاع الزيف الذين ينتقلون من خندق لآخر، وفي كل الأحوال، ستكون النتيجة هي نفسها، إتلاف الحقيقة، لكن حين نتأمّل أنّ ما يكتب اليوم سيكون بمنزلة نصّ تأسيسي للمستقبل ندرك حينئذ المصير السّيئ لعلم التاريخ، كما ندرك الخدعة الحقيقية للتّاريخ السّابق. سنحار اليوم، ونحن نقرأ آراء مختلفة وبشأن الحدث الواحد ونحن نراه ونعيشه ونتأمله، يبدأ تأويل الحدث منذ الوهلة الأولى، هذا يعني أنّ الأحداث تهرب منّا لأنّ صناعة أخرى تواكبها هي صناعة الزّيف.
أتحاشى أن أتحدث عن حوادث كثيرة لأنّ الزيف ليس ناتجاً عن غموض الحدث أو تلاشي جزء من الوثيقة أو لطول الزمن، بل لأن التحريف صناعة، ولأن الحدث يخضع لعملية إعادة إنتاج فوري. هل سنمسك بالحدث التاريخي في المستقبل ونحن لا نستطيع الإمساك به فور حدوثه؟ ما الجهد العلمي الذي يمكن لمؤرخ في المستقبل أن يبذله لكي يمسك بحقيقة خبر نحن من عاصره ولم نملك أن نمسكه؟
.. كل شيء ممكن، لأنّ النص التأسيسي لتاريخ المستقبل نقرؤه اليوم ملتبساً وندرك مآلاته مسبقاً، وفي كل الأحوال، سيعود الأمر كما بدأ، فقد تستطيع أن تصاب بخيبة أمل حين تدرك أنّ تاريخاً في المستقبل سيكون مآله التحريف.. ولكن ماذا عنك؟ فأنت كما هم في صيرورة من الزيف لا تكاد تملك منها في أحسن الأحوال سوى إرادة المساءلة وإعادة إنتاج الفهم.. وإزاء كل هذا هل في إمكاننا إنتاج فلسفة للتاريخ.. إزاء كل هذا التشويش على الحقيقة التاريخية كيف يمكننا تأسيس أصول فكر تاريخي؟
الغاية من كل هذا التنبيه ليس التأسيس لعدمية تأريخية، بل الغرض هو تصعيد اليقظة إلى منتهى ما يمكن أن يفعله باحث معنيّ بالحقيقة، فداخل هذه الفوضى تتعايش حقائق كثيرة، وللزيف علامات تفضح النسق الكاذب، وإن بشكل جزئي، وهناك جيوب مقاومة ضد الزّيف في كل عصر، غير أنّنا سبق أن وضعنا طريقين لذلك:
1 – حدس الوجود والتعالي على الزمن الكرونولوجي تفلّتاً من سلطة تاريخ غير تأريخي، فالأصول العامة للفكر التاريخي تبدأ من المفهوم الكلي لا العكس، إنّها روح الزمن والحدس الكلي الزمني.
2 – شهود الحاضر على الماضي، وكيف يحدث الحدث، وكيف يُصار إلى تحريفه وتأويله، وهي عملية متاحة، ووحدها المتاحة، نظراً لوحدة المزاج البشري وتشابه جوهر السلطة والغلبة والعصبية إزاء الأحداث والميل الغريزي للمصالح ووحدة الخيال.

*كاتب من المغرب

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed