«طريق الحرير» تسمية حديثة، أطلقها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر العالم الجيولوجي الألماني فرديناند فون ريتشهوفن على سلسلة من الطرق التجارية بين الشرق والغرب، ولاحقاً أصبح «طريق الحرير» وصفاً للطرق البرية التي سلكها التجار والمسافرون، في حين سميت الطرق البحرية «طريق التوابل».
تقول الأمم المتحدة عن هذا الطريق:
«.. ولم تحمل هذه الشبكات الواسعة في طياتها السلع والبضائع الثمينة فحسب وإنما أتاحت أيضاً تناقل المعارف والأفكار والثقافات والمعتقدات بفضل حركة الشعوب المستمرة واختلاطهم المتواصل ما أثر تأثيراً عميقاً في تاريخ شعوب المنطقة الأوروبية والآسيوية وحضاراتهم».
يعود الفضل في شق طريق الحرير إلى المبعوث الإمبراطوري الصيني الجنرال زانغ كيان الذي خرج في مهمة دبلوماسية في عام 139 ق. م. وفيما بعد أصبح هذا الطريق ينقل المسافرين والتجار والحجاج بالاتجاهين، أما أشهر من انتقل على هذه الطريق فهو الرحالة الإيطالي ماركو بولو وذلك ما بين 1271– 1292 وأغنت حكايات رحلاته المخيلة الأوروبية عن هذا الشرق الغني والغامض.
بعد اختراع الآلة البخارية بدأت أهمية طرق القوافل تتضاءل لمصلحة السكك الحديدية والشحن البحري.. لقد أدى تنامي الإنتاج الرأسمالي ودخوله مرحلة «اقتصاد الوفرة» إلى ازدياد الحاجة للمواد الأولية من جهة، وإلى تصريف البضائع من جهة أخرى، وقد ترافقت هذه الحاجة مع تسارع وتيرة الاكتشافات الجغرافية مما سهّل العثور على طرق بديلة لنقل التجارة العالمية، لقد جاء التفاف المستكشف البرتغالي فاسكو دي غاما حول رأس الرجاء الصالح في نهاية القرن الخامس عشر ليؤمن طريقاً تجارية جديدة تصل الغرب بالشرق بديلاً لطريق الحرير.
مع تطور صناعة السفن، أصبح الشحن البحري أسرع وأقل خطراً وتكلفة من طريق الحرير التقليدي، ومع نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر أصبح طريق الحرير معبراً للتجار المحليين وطريقاً لعلماء الآثار والمغامرين الذين سرقوا الكثير من كنوز الشرق وباعوها للمتاحف الأوروبية، ومن هؤلاء البريطاني السير إيرل ستين، والفرنسي بول بيلوت، والألماني ألبرت فون ليكوك.
على خطا هؤلاء سار المستشرقون يكتشفون البلاد، ويحضرون الدراسات والخرائط التي سيسير الغزاة الرأسماليون على خطاها، فما إن انهارت دولة الرجل العثماني المريض حتى انفلتت الرأسمالية من عقالها، وأخذت تقسم البلدان وتعيد صياغة الجغرافيا بما يتناسب مع مصالحها الاستعمارية. لقد كانت سفن «فاسكو دي غاما» التي رست على الشواطئ الهندية عام 1498 بداية اللعنة الاستعمارية التي ستصيب الدول الواقعة على طريق الحرير، فقد تجلت الأطماع الاستعمارية البريطانية بتأسيس «شركة الهند الشرقية» عام 1600 التي انحصرت في يدها التجارة مع الهند، وما تلاها من تعيين السير دارين هاستينغس كأول حاكم بريطاني للهند عام 1774، والاستيلاء على هونغ كونغ عام 1839، والاحتلال الإنكليزي لعَدَن عام 1839، ومصر عام 1883، والسيطرة على قناة السويس، انتهاء بفرض الانتداب على بلاد الشام والعراق عام 1919.
تحولت طريق الحرير إلى قصة تاريخية رومانسية وبقيت كذلك فترة طويلة من الزمن. لكن الشعوب والأمم الواقعة على هذا الطريق أخذت مؤخراً بإدراك ما فعلته بها الرأسمالية، وبدأت المحاولات لاستعادة هذه الذاكرة الحضارية وإحيائها لتأخذ دورها الاقتصادي والسياسي والثقافي في عالم اليوم.
في عام 1988 أطلقت الأمم المتحدة مشروعاً مدته عشر سنوات بعنوان «دراسة متكاملة في طرق الحرير.. طرق الحوار» وقد تم تلخيص نتائج هذا المشروع في دراسة صدرت عام 1997 بالعنوان نفسه.
وفي عام 2012 عقد في طشقند عاصمة أوزبكستان مؤتمر لمجموعة من الدول التي كانت تقع على طريق الحرير، وصدر عنه توصيات بفتح ممرين تراثيين:
1- ممر «تيان– شان» ويضم: الصين، كازاخستان، قيرغيزستان وأوزبكستان.
2- ممر «اموداريا» ويضم: طاجيكستان، أوزبكستان، وتركمانستان.
هذان الممران أصبحا ستة ممرات، وانضمت إليها الهند وباكستان وروسيا وأفغانستان وإيران، وقد بلغ عدد الدول الموقعة على مشروع «الحزام والطريق» 126 دولة، إضافة إلى 40 دولة أخرى وقعت على اتفاقيات تعاون ومشاريع مرتبطة بمشروع «الحزام والطريق».
منذ الإعلان عن المشروع، استثمرت الصين في بنيته التحتية أكثر من 80 مليار يورو، وشمل ذلك إنشاء الطرق وسكك الحديد والمطارات، والأمر ذاته حدث في كينيا حيث أنشئت سكة حديد باسم «طريق الحرير» تصل ميناء مومباسا الأكبر في البلاد بالعاصمة نيروبي، وفي أوغندا أنشئ طريق سريع بطول 50 كم يصل العاصمة كمبالا بمطار عينتيبي، وتعمل الصين على بناء ميناء سيكون الأكبر في إفريقيا في تنزانيا، وإضافة إلى الاستثمارات المباشرة، قدمت الصين قروضاً للدول الواقعة على «الحزام والطريق» بلغت 275 مليار يورو.
إن أي خريطة لطريق لابد من أن تنتهي في سورية، وعلى الساحل السوري بالتحديد، قادمة من إيران عبر العراق. وهذه الطريق ستحمل المُنتج الأغلى والأكثر أهمية، وهو النفط، لذلك لا نستطيع أن نتوقف أمام الحرب على العراق، ثم على سورية، والتصعيد ضد إيران، من دون أن نرى علاقة ذلك بالجغرافيا السياسية والاقتصادية التي ستتغير مع اكتمال هذا الطريق.
رغم الادعاءات التي ساقتها الدول الاستعمارية، فإن موقع سورية ودورها المركزي في ظل افتتاح هذا الطريق كان واحداً من أهم عوامل المحاولة الاستعمارية – الرأسمالية لتدمير الدولة السورية وتقسيمها. وجاء الصمود الأسطوري للجيش العربي السوري ليكون العامل الرئيس في فشل المخطط الاستعماري، وهو ما كان أحد أبرز دوافع الدول الواقعة على « الحزام والطريق» للوقوف إلى جانب سورية، ودعمها اقتصادياً وعسكرياً، لأن النصر السوري نصر لهذا المشروع والبداية الحقيقية لعالم جديد يقوم على المصالح المشتركة للشعوب والدول، لا على الهيمنة والتبعية.

*كاتب من الأردن

print