في الشوارع و«الأزقة» والحارات دارت الكاميرا، وتحت عنوان «ساعدونا لنصير أحسن»، وهو شعار الحملة التي أطلقتها وزارة الإعلام مؤخراً، رصدت واقع الحال ونظرة الناس إلى ما تقدمه وسائل إعلامنا المحلي، كثيرة هي الآراء التي حصدتها، معظمها لم ير سوى الصورة السلبية والنمطية فيما يقدم من برامج ومواد، أما البعض الآخر فاتجه في التحليق بأفكاره وخاصة فئة الشباب نحو المطالبة ببرامج تحاكي واقعهم وتتلاءم مع أفكارهم وتطرح مشكلاتهم بكل جرأة وجدية وخاصة قضية الهجرة التي باتت تسيطر على عقولهم وتستحوذ على اهتمامهم حتى إنها أصبحت شريكة لقاءاتهم وسهراتهم، ولا يظن أحد أننا نبالغ، فكثير من الشباب الذين التقيناهم من طلبة الجامعات والمعاهد أو ممن يستعدون لدخولها من طلبة البكالوريا أكدوا ذلك.
هناك المجال أوسع
حسام طالب جامعي في كلية الآداب، سنة رابعة، ينتظر وبفارغ الصبر تخرجه في قسم اللغة الإنكليزية حتى ينطلق -كما يقول- لتحقيق حلمه في الهجرة إلى ألمانيا، حيث يقيم أخواله وخالاته، وعن سبب تطلعه إلى الهجرة قال: هناك المجالات أوسع للعمل ولبناء المستقبل، أما هنا فالعشرات من زملائنا تخرجوا ولم يجدوا عملاً والأسباب أصبحت معروفة، أهمها عدم توافر الوساطة لديهم.
ننتظر تبدد سحب غيوم الأزمة لعلنا نتراجع عن قرار السفر، عبارة بدأ رامي- سنة ثالثة هندسة عمارة حديثه بها، فهو لا يحب الغربة، ولكن أهله يضغطون عليه ومسوغهم هنا لا توجد فرص للعمل.
عائلة رامي ليست الوحيدة التي تفكر في زج أولادها في الغربة، فها هي أم سهيل وهي سيدة التقيتها أمام أحد المراكز الامتحانية تنتظر ابنتها، تقول: عندي توأم البنت تقدم امتحاناتها، بينما الصبي ينتظرنا في هولندا، فقد ذهب إلى هناك منذ عام تقريباً وجهز لنا أوراق لم الشمل، وعن كيفية ذهابه لفتت إلى أنه ركب عباب البحر، ووصل كمهاجر غير شرعي وقد تحمل رغم صغر سنه حياة فيها الحلاوة والمرارة، ولكن هذا قدره عليه تأمين مستقبل إخوته الصغار هناك.
أرقامها في تزايد
ما ذكرناه ليس إلا عيّنة من عالم كبير يفكر معظم أفراده بهذا الشكل، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا تحولت الهجرة إلى ظاهرة بين أوساط الشباب، وما الذي يجب القيام به للتخفيف من سيطرتها؟ وهنا تبين الدكتورة سمر علي قسم علم الاجتماع – جامعة دمشق، أن مسألة السفر والهجرة ترتبط عادة بالشباب لكون هذه الفئة من الفئات المهمة في المجتمع ومصدراً حيوياً لبنائه، وهو الأمر الذي يجعل من ارتفاع معدلات هذا النوع من الهجرة مشكلة لا يمكن غض النظر عنها ويجعل من البحث عن حلول مجدية لها من أولويات اهتمام الباحثين والمعنيين بالعمل الاجتماعي والتنموي، فالمنظمات الدولية تسجل أرقاماً متزايدة من أعداد الشباب المهاجرين عبر الحدود سواء بطريقة شرعية أو غير شرعية.
بدورها رأت المرشدة الاجتماعية والنفسية- نسرين حسن أن مسألة الهجرة بجميع أشكالها التي بدأ التشجيع لها بطرق متعددة مخفية وعلنية تعد مسألة خطرة لأن الهدف المراد منها استهداف الكوادر البشرية الشبابية في مجتمعنا السوري.
عوامل وأسباب
وعن أهم الأسباب التي تدفع الشباب للتفكير في الهجرة قالت د.علي: خلال سنوات الحرب في سورية ونتيجة صعوبة الظروف الاقتصادية والاجتماعية والأمنية يضطر الشباب في مقتبل العمر للتفكير في الهجرة كخيار وحيد لحل مشكلاتهم المصيرية كالبحث عن ظروف معيشية أفضل في ظل الصعوبات التي ألقت بظلالها على جميع مفاصل الحياة اليومية، إضافة إلى تخوف الشباب الجامعي من موضوع الخدمة الإلزامية التي اختلفت سنواتها من سنة ونصف السنة إلى عدد غير معروف من السنوات، ومع صعوبة دفع البدل النقدي وظروف التأجيل الدراسي كانت قوارب الهجرة إلى الجانب الآخر من البلدان الأوروبية هي الحلم الأجمل والمنقذ من كل تلك الظروف القاسية، وأمام هذه الظروف وغيرها علينا ألا نلوم الشباب رغم سلبية الظاهرة على محاولة البحث عن ظروف أفضل وأكثر أماناً واستقراراً ورفاهية، لكننا نعوّل على المعنيين دراسة وتحليل قضية الهجرة والتعمق فيها، لأنها أضحت واقعاً وليست مجرد نزوة أو حلم من أحلام الشباب الجامعي وغير الجامعي.
استثمار قدرات الشباب
ورداً على سؤال عن المقترحات والحلول القابلة للتطبيق أوضحت د.علي أن العبء الأكبر في هذه القضية يقع على مختلف مؤسسات المجتمع الأهلية والاقتصادية والتربوية والثقافية للعمل بشكل متوازٍ ومترابط لتحسين المستوى العيشي بشكل عام من أسعار وخدمات وفرص عمل وتعليم يلبي حاجات السوق وطموحات الشباب في الحياة المتوازنة والمستقرة بعيداً عن التناقضات والتداعيات التي أفرزتها الأزمة، فإذا تمكنّا من تقليل حجم الأسباب الدافعة للهجرة سيكون في المقابل لدينا تقليص للعوامل الجاذبة من الطرف الآخر، صحيح أنها معادلة بسيطة نظرياً لكنها مشروع بشري- تنموي- اجتماعي- اقتصادي يستحق البحث والدراسة والتحليل والمتابعة سنوات متواصلة قد تمكننا تدريجياً من تخفيف حجم هذه الظاهرة وآثارها على المجتمع السوري.
أما المرشدة حسن فقد وجدت أن الحل من وجهة نظرها يتمثل في العمل على عودة المهجرين إلى بيوتهم، وفي إقامة حملات وورشات عمل في المدارس والجامعات وفي وسائل الإعلام تتحدث عن أثر الهجرة وتبعاتها، وتعزز مفهوم المواطنة، وفي العمل على إيجاد مشاريع تحمل في طياتها حلولاً لمشكلة البطالة، مع مراقبة عمل مكاتب السياحة والسفر لأنها تشكل باباً للسمسرة وتساهم في مغادرة شبابنا، ولا ننسى معالجة مشكلة السكن التي تؤرق الشباب وذويهم، لتختم بالقول: الشباب السوري لديه الكثير من الطاقات والإمكانات، وهو يشكل بعلمه وعمله قوة خلاقة، ولذلك لابدّ من العمل على استثمار قدراته ليكون حاضراً في كل مرحلة من مراحل إعمار وطننا الغالي.

طباعة

عدد القراءات: 1