باتت القمامة ومكباتها هاجساً يؤرق الناس، بعد أن اتفقنا جميعاً- مكرهين- على واقع فرضته الحرب الإرهابية على البلد من ضمن إيقاعاتها النشاز الكثيرة التي عصفت بمختلف قطاعاتنا الخدمية والاقتصادية منها على حد سواء إلى حدود باتت مفاعيلها تهدد حياة الناس، وحالت الظروف الأمنية التي كانت سائدة دون ترحيل القمامة إلى مكبات ومطامر نظامية، اعتمدتها معظم الوحدات الإدارية نتيجة صعوبات النقل وتقطع سبل الوصول اليها، ما خلق واقعاً بيئياً مزرياً بات يهدد- بشكل مباشر- حياة الناس بأكثر من خطر محدق كانتشار الكلاب الشاردة والقوارض وخلق بيئة مناسبة لعودة العديد من الأمراض المختلفة التي سبق لسورية أن تخلصت منها وقطعت أشواطاً متقدمة في مكافحتها والقضاء عليها نهائياً ووضعتها في مصاف الدول بمراتب متقدمة بعد أن وفرت كل سبل مكافحتها لتعود ومن جديد مع مخلفات الحرب الإرهابية للظهور من منطقة لأخرى بفعل التلوث البيئي وتوفر البيئات الحاضنة لمثل تلك الأمراض.
اتفقنا جميعاً على خطرها وعلى منعكساتها السلبية ومخاطرها القادمة، مع بقاء هذا الواقع البيئي الخطر يراوح في المكان أمام العجز الذي تعانيه معظم الوحدات الادارية للمدن والبلدات والمتمثل بنقص الآليات والعمالة وتعطل معظم آليات النظافة وغيرها من المشكلات التي تعانيها هذه البلديات من عجز وترهل في الأداء وسوء إدارة وتخبط، إذ لم ترتقِ بعد أغلبيتها العظمى إلى مستوى التحديات التي خلفها الارهاب بما يشعرك بأن ما يؤخذ من إجراءات هو أشبه بالمراوحة بالمكان، بينما آلاف الأطنان من القمامة المكدسة في غير الأماكن المخصصة لها حتى إنها تتوضع فوق مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية الخاصة التي عاد الأهالي بعد عودة الأمن لمحاولة زراعتها وحالَ هذا التموضع للقمامة عليها دون ذلك.
اتفقنا جميعاً بشكل نظري على هذا الواقع وأشبعناه نقاشاً وسفسطة في سهراتنا وكل محافل اجتماعاتنا, مؤسسات حكومية وهيئات ومجتمعاً أهلياً ولم نتفق بعد على صيغة فعلية وعلى التدخل السريع بإدارة فاعلة لهذا الملف، من شأنها البدء بالتنفيد لمعالجة هذا الملف الخطير وإدارته بالسرعة الكلية بما يخفف من فاتورة الاستشفاء الباهظة التي يرتبها على الدولة من أمراضه البيئية والمجتمعية وإشراك القطاع الخاص في مشروعات استثمار النفايات وتصنيعها وإعادة تدويرها، بعيداً عن مشروعات العلكة والصابون والمنظفات التي تستغل ارتفاع حجم التلوث لمعالجة الظاهرة من جذورها من خلال الاستثمار فيها للحصول على الأسمدة التي يحتاجها القطاع الزراعي والتي يعجز عن توفيرها أيضاً بما ينعكس هذا الاستثمار للنفايات إيجاباً على مختلف القطاعات ويحل مشكلاتها الطبية والزراعية والصناعية ولنتفق جميعاً على ساعة البدء.

print