آخر تحديث: 2020-05-31 11:50:51
شريط الأخبار

وزِنِ الكلامَ ، إذا نطقتَ ….

التصنيفات: ثقافة وفن

لعلَّ من أبجديات الحياة أن نحسنَ التعامل مع أبجدية الحروف حين تُصاغ وتتحوّلُ إلى منطوق الكلام ، ومن حُسن طالع المرء أن يتريّث ويتفكّر ويتروّى قبل أن يتكلّم فيتحوّل كلامُه إلى عدوٍّ، له فيصيبَهُ حينئذِ بالحسرة والندم ،  (ولات ساعةَ مندم ) ، وما أحسن قولَ القائل : من تكلّمَ أوّلاً ، وفكّر ثانياً ، ندمَ ثالثاً .

والكلام على رأي إلياس فرحات ، يجب أن يكون مهذّباً مقترناً بالفعل ، وإلّا فهو لا يعْدو أن يكون ثرثرةً دون طائل ، فكيف يبرز الصدق ويتجلّى ، وكيف يعيا الستار – ما تعدّد –  عن إخفاء الكذب :

وإذا الكلامُ مهذّباً لم يقترن                   بالفعلِ ، كان بضاعةَ الثرثارِ

والصدقُ يبرزُ في المحافلِ عارياً           والكِذْبُ لا يكفيه ألفُ ستارِ

ولنتأمّلْ في توصيف الشيخ عبد الله السابوري  للكلام وحشوه ، ولسحر الكلام ووقعهِ على النفوس :

حشوُ كلامِ المرءِ في الخطابِ            من عيِّهِ ، كذاك في الجوابِ

يا رُبَّ سحرٍ في كلام الناسِ                يليّنُ القلبَ الغليظَ القاسي

وأما الشاعر أحمد الخصيب فيدلَّنا على خير الكلام وعلى موضع صفة بلاغة القول ، فلتأمّل في هذه الدرر :

خيرُ الكلام قليلٌ               على الكثير دليلُ

والعيُّ معنىً قصيرٌ           يحويهِ لفظٌ طويلُ

وفي الكلام عيونٌ               وفيهِ قالٌ وقيلُ

وللبليغ فصولٌ                    وللعَيّيِّ فضولُ

الشاعر الحمْيَري ابن مفرغ يدعو لتجنّب الهذر من الكلام ، ويدعو إلى الشجاعة التي هي عن القلب والنهى ، لا إلى الجرأة الجاهلة  على قول  ما لا تُحمدُ عُقباه ، يقول :

لا خيرَ في هذِرٍ يهزُّ لسانَهُ         بكلامهِ ، والقلبُ غيرُ شجاعِ

أبو الأسود الدؤلي صاحب الكلام الموزون المُحكم الجميل ، يربا بنفسه عن قول  وصاحب كلّ قول ما لا علم لهُ به ، فهو بذلك يعتقد الحقّ و يراهُ في  لزوم التحقق والتسليم للحقيقة :

يقولون أقوالاً ، ولا يعلمونها           فإنْ قيلَ : (هاتوا حقّقوا )، لم يحقّقُوا !

أمّا أبان اللاحقي فيستعيذ من شرّ النميمة وأصحابها ، يقول :

لا تنمَّنَّ عن صديقٍ حديثاً           واستعذْ من تسُّررِ النمّامِ

ويرى ابن المقرّي أنَّ المرءَ يندم على ما قال لا على مالم يقل ، وهي حكمة  مستفادةٌ مأخوذةٌ عن أهل الحكمة ، ولذلك يدعو إلى وضع الكلام في مواضعه الصحيحة  فاللسان قد يجرُّ على جاهلهِ الويلات :

زيادةُ القولِ تحكي النقصَ في العملِ        ومنطقُ المرءِ قد يهديه للزللِ

إنَّ اللسانَ صغيرٌ جرمُهُ ولهُ                  جرمٌ عظيمٌ ، كما قد قيلَ في المثلِ

فكم ندمتَ على ماكنتَ فهتَ به               وما ندمتَ على مالم تكنْ تقُلِ

وأمّا ابن الحلّ البغدادي فيرى أنّ في زخرف الكلام ما يزين للمرء الباطلَ ، أو العكس ، فيكون قد ساهم في الصدّ عن سواء السبيل :

في زخرفِ القول تزيينٌ لباطلهِ             والحقُّ قد يعتريهِ سوءُ تعبيرِ

تقولُ : هذا مجاجُ النحل، تمدحهُ          وإنْ ذممْتَ تقلْ  : قيءُ الزنابيرِ

وفي تشبيهٍ جميل آخر ،يدعو الشاعر محمد بن منذر الهروّي إلى الأناة والمزيد من التروّي ، لأنَّ ما يُقالُ لا يعودُ مُلكاً لقائله :

القولُ كاللبنِ المحلوبِ ، ليس لهُ                 ردٌّ ، وكيف يردٌّ الحالبٌ اللبنا ؟!

في ضرعهِ ، وكذاك القولُ ليس له         في الجوفِ ردٌّ ، قبيحاً كان أم حسنا

وأحبُّ أن أختم َ بما نُسب ، شعراً ،  في ذلك لسيِّد أهلِ أحسن كلام الأدب ، وأدب الكلام ،ذوي الحكمة المحكمة  والبصيرة النافذة  :

وزِنِ الكلامَ ، إذا نطقْتَ ، ولاتكنْ             ثرثارَهُ ، في كُلِّ نادٍ تخطبُ

واحفظْ لسانك واحترزْ من لفظهِ           فالمرءُ يسلمُ باللسانِ ، ويعطبُ

والسِرُّ ، فاكتمْهُ ، ولا تنطقْ بهِ               فهو الأسيرُ لديك إذْ لا ينشبُ

وكذاكَ سرُّ المرءِ إنْ لم يطوِهِ                 نشرَتْهُ  ألسنةٌ ،  تزيدُ وتكذِبُ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي


Comments are closed