قد لا تكون لما سأكتبه أي علاقة بمحتوى رواية جون شتاينبك «عن الرجال والفئران» الصادرة عام 1937، لكن العنوان حاصرني وأنا أتابع ما يجري في وطننا من أحداث.. من التعوّد صباحاً على تفقد الصور التي تضعها الإعلامية والأديبة السورية نهلة السوسو لجنود الجيش العربي السوري في ميادين الشرف، مروراً بتفاصيل المعارك والسياسات والمبادرات والمؤتمرات.. لا يمكننا في كل هذا إلا التمييز بين رجال أبطال يقتحمون ساحات الوغى؛ وفئران جبناء يلوذون بالفرار ويمنون بالهزيمة.
استفزتني «ورشة البحرين» لأعيد قراءة كتاب المؤرخ الصهيوني بيني موريس «مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين». فمنذ سنوات ومن يسمّون «عرب الاعتدال» يقولون لنا إنهم تبنوا حلاً سلمياً مع العدو الصهيوني أساسه فكرة «الأرض مقابل السلام». بغض النظر عن أن معظم من تبنوا هذا الحل لم يشكلوا يوماً تهديداً للكيان الصهيوني، بل على العكس كانوا عوناً له في الكثير من اللحظات المفصلية في تاريخ الصراع العربي- الإسرائيلي، فإنهم يصرون في كل مرحلة على الظهور بمظهر من يمتلك الترياق السحري لهذا الصراع، فيطرحون مبادراتهم ويعقدون مؤتمراتهم وورشات عملهم للتسويق لما يدّعون، والذي هو في الحقيقة حلقة من حلقات المشروع الصهيوني– الإمبريالي الذي تم الإعداد له منذ عشرات السنين.
في «ورشة البحرين»، تمثل «الاكتشاف العظيم» في اللجوء إلى «الحل الاقتصادي، كمدخل للسلام والازدهار». يورد بيني موريس ما قاله ديفيد بن غوريون في اجتماع اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية عام 1936، إذ قال:«فلسطين بلد مكتظ بالسكان… ونحن نريد إقامة مناطق للاستيطان اليهودي الكثيف في فلسطين، ويمكننا حل مشكلة هذا الاكتظاظ بنقل العرب الذين يبيعون أراضيهم إلى شرق الأردن… حتى المفوض السامي يوافق على هذا الترانسفير إلى شرق الأردن إذا ما منحنا الفلاحين الأرض والمال».
أما الحديث عن «السلام القادم»، والسعي إلى موافقة الصهاينة على «المبادرة العربية»، أو أي مشروع سلام دولي، فيردّ عليه بيني موريس في تعليقه على تسويغ موافقة تيودور هرتزل على مقترحات «لجنة بيل» الملكية التي منحت اليهود 20% من أراضي فلسطين، ومنحت العرب 70% من تلك الأرض، مع بقاء 10% تشمل القدس وممراً آمناً حتى ميناء يافا، تحت الحكم البريطاني.. يرد موريس بالقول:(صحيح أن اليهود مُنحوا جزءاً صغيراً من «إرثهم»، لكنهم يستطيعون استخدام هذه «الدولة» الصغيرة كقاعدة أو رأس حربة للغزو والاستيلاء على بقية فلسطين).. و(ربما أيضاً شرق الأردن).
طبعاً تجنبت «ورشة البحرين»، ومؤيدوها الذين سوف يتمتعون بالسلام والتطبيع مع «إسرائيل»، الحديث عن مصير العرب الفلسطينيين الذين سيبقون في «إسرائيل». لكن تاريخ الحركة الصهيونية يجيب عن هذا السؤال على لسان بن غوريون، ومناحيم يوسيشكين الذي هرطق في عام 1938: «ليس هناك ما هو غير أخلاقي في نقل 60 ألف عائلة عربية.. لا يمكننا أن ننشئ «دولة» يهودية ونصف سكانها من العرب… مثل هذه «الدولة» لن تصمد حتى نصف ساعة… نقلهم إلى مكان آخر هو أفضل ما يمكننا فعله «أخلاقياً»… وأنا مستعد للدفاع عن ذلك أمام الرب».
أما «العقلانيون» أصحاب العبارة المشهورة «نرفض ولكن..» فيضعون صفقة ترامب في إطار الاستعجال السياسي، (والحد من الخسائر)، ويسوقون في تسويغهم لمواقفهم المتخاذلة سلسلة «لو..»… (لو وافقنا على اقتراح لجنة بيل… لو وافقنا على قرار التقسيم… لو التحقنا بكامب ديفيد… لو استثمرنا أوسلو)… ليخلصوا إلى نتيجة مفادها أن التغير الذي طرأ على السياسة الأمريكية مع مجيء ترامب وإدارته يستدعي القبول بخيارات مؤلمة للحد من الخسائر… مشكلة هؤلاء أن الكثيرين منهم لا يقرؤون التاريخ ليعرفوا حقيقة الموقف الأمريكي، ففي شباط 1949 كتب القنصل الأمريكي العام في القدس إلى رئاسته ناصحاً:«هناك شعور بأن قضية الأمن ستُخدم بشكل أفضل على المدى الطويل إذا بقي اللاجئون في الدول العربية بدل عودتهم إلى «إسرائيل». ولما كانت الولايات المتحدة أيدت قيام دولة يهودية، فإن عليها الالتزام بأن تكون هذه الدولة متناسقة في تكوينها… فعودة اللاجئين سوف تخلق «مشكلة أقليات» مستمرة، وستكون مصدراً دائماً لانفجار انتفاضة داخلية أو التدخل من قبل الدول العربية المجاورة».
الموقف نفسه تبنته بريطانيا، فقد وجدت (الحل) على لسان وزير خارجيتها أرنست بيفين (1945 – 1951) يكمن في (تبادل السكان العرب واليهود)، وهذا الموقف جاء خلاصة لتقرير استخباري قدمه مكتب القاهرة التابع للاستخبارات البريطانية ومما جاء فيه: «الآن وبعد أن ذُللت الصعوبات المتمثلة في إقناع العرب بترك منازلهم، نتيجة للإرهاب اليهودي وحالة الذعر التي أصابت العرب، فإنه من الممكن أن يكون الحل في نقلهم إلى سورية والعراق… إن هذا المشروع (توطين اللاجئين في الدول العربية) يجب أن يتم إطلاقه بحرص شديد».
في الوقت نفسه الذي كان فيه الفئران يروجّون «لعقلانيتهم» و«منطقيتهم» كان الرجال يصوغون الردود الوحيدة الكفيلة بتحقيق السلام والازدهار… الرد الذي صاغه أبطال الجيش العربي السوري، ومحور المقاومة عموماً، من أن السلام لن يكون إلا بهزيمة مخطط العدوان والوقوف في وجه سرقة المقدرات والتخلص من التبعية للمستعمر، وأن السلام يمر عبر استقلال الإرادة الوطنية، وهزيمة المشاريع الصهيونية – الإمبريالية في ساحات المعارك، وليس في قاعات المؤتمرات.
الرد جاء من معارك ريف حماة الشمالي وريف اللاذقية الشمالي الشرقي، بهزيمة دورة الإرهاب الجديدة التي كانت الأكبر منذ عام 2015، وبدعم تركي مباشر. الرد جاء أيضاً من الضاحية الجنوبية لبيروت عندما أعلن سماحة السيد حسن نصر الله أنه يرى إمكانية أن يصلي (هو وليس أبناءه أو أحفاده) في القدس. والرد يجب أن يأتي من المثقفين بإعادة الصراع إلى مبتداه، أي عام 1916 وإلى أصله من أنه صراع عربي– إسرائيلي. لقد بدأ الصراع قبل أن تكون هناك قضية فلسطين، وجاءت دول سايكس– بيكو، لتمنع حل هذا الصراع على حساب المستعمر والكيان الذي أقامته.
عليك أن تكون من الرجال أو من الفئران، قد يرى البعض أن هذا الخيار إقصائي أو قمعي، لكن الحقيقة لا يمكن إلا أن تكون منحازة لطرف واحد، فالخيار اليوم بين الرجال والفئران، ولا يوجد خيار ثالث.

*كاتب من الأردن

print