هذا ما قرره ميكيافيللي، ثم بات اصطلاحاً في تداول النخب، ثم عاد وتمطّط والتبس حين نزل إلى تداول العموم.
منذ ميكيافيللي والسياسة تنزع إلى تدبير المصالح على أساس الممكن، لكن ماذا يا ترى أضاف هذا التعريف إلى الآداب السلطانية أو نظرية الغُلب عند ابن خلدون؟
حين تعلن السياسة أنّها غير معنية بمقولات أخلاقية أساسية ولا ترى للفضيلة قيمة ثابتة فإنّها لا تعدو أن تكون شكلاً من الغُلب الممكن أو الطغيان الممكن، لأنّ الإمكان كان يفترض أن يكون في اتجاه الإرادة الخيرة للتدبير السياسي، أي الخير الممكن، وهذا ما يمنح السياسة معنىً وشرعية وإلاّ ستكون طرفاً في مسار ذئبية الطبيعة الإنسانية، ستكون السياسة أيضاً فنّاً للافتراس لأنّ الذّئاب نفسها تمارس الافتراس الممكن، ولقد اختلط هذا الفهم القاصر والمبالغ فيه مع مقولة «تبرير الغاية للوسيلة» لتصبح الميكيافيللية شكلاً من التأصيل الشرس للسياسة.
هل يا ترى توجد حدود تؤطّر السياسة أو توقفها حينما تخطئ طريقها نحو الواجب الأخلاقي.. وكيف يمكن أن يتعزز قانون أخلاقي في المجتمع برعاية سياسية لا أخلاقية؟
لعلنا هنا بصدد الحديث عن أنّ السياسة وحدها تحتكر الإمكان، وحينئذ لن تصبح فنّاً بل طغياناً واحتكاراً ممكناً.
وعند التحقيق وجب إخراج الميكيافيللية من كل هذا الفهم الساذج الذي شرّق وغرّب من دون طائل… بالنسبة للمفكر الإيطالي الذي كان بصدد إعداد استشارات للأمير كان ينحو منحى الواقعية في فهم السياسة وتدبيرها كما كان لا يخلط بين الغايات والوسائل، هذه الأخيرة ليست سوى وساطة في تحقيق غايات أثيرة في تاريخ ممارسة السياسة.
إنّ منتهى فكر ميكيافيللي هو حماية الإمارة وليس تنفيذ برنامج بديل للأنماط السياسية الموجودة، ولقد سبقه المفكرون المسلمون في الكتابات السياسية وآدابها وبلغت ذروتها مع ابن خلدون الذي نحا منحىً سابقاً للميكيافيللية وتصويب الوسائل حين تكون في خدمة أهداف السلطة.
استفاد ميكيافيللي من «الأدب الحيواني» ليُعزز تكامل الأدوار في طبائع السياسة، وهو بذلك لا يفعل سوى التأكيد على أنّ الاجتماع السياسي لا يشذّ عن الاجتماع الغابوي، ولهذا لا بدّ من أن تتكامل قوة الأسد مع مكر الثعلب، وعند التحقيق أيضاً نلاحظ أنّ واقع السياسة مختلف تماماً وربما تجاوز حتى هذا القدر من الميكيافيللية ولا يرقى حتى «للآداب الحيوانية» لأنّه يجعل طبائع السياسة تنفتح، ليس على شجاعة الأسد ومكر الثعلب فحسب، بل حتى على طبائع الضّباع، وكأنّ السياسة هي أيضاً فنّ الانحطاط الممكن.
وعند التّأمل يبدو أنّ الإمكان الميكيافيللي هو إمكان وسائلي محدود في الزمان والمكان، وهو مثل ابن خلدون كان يعدم النظر البعيد ويمنح العصبية قيمة قصوى في تاريخ الاجتماع السياسي. إنّ ما يبدو ممكناً هو الشكل الحتمي المُتاح للسياسات ولكنها وسائل قد تحقق إخفاقاً للسياسة وضعفاً للسلطة وانهياراً للحكومة، فالممكن محصور في سياق مكر التّاريخ، وروح التّاريخ هي أيضاً تحرس الحقيقة وتستدمج قوة الأسد ومكر الثعلب وتنجز مهمتها بشكل مفارق تلعب فيه السياسة دوراً في تمكين مكر التاريخ من مكر السياسة، ولهذا كان التاريخ فضاء لتقلّب الأحوال والمفارقة. ينقص ميكيافيللي – كما كان ينقص ابن خلدون – حسّ الاستشراف، ومنظور سطحي للقوة بوصفها علاقة بالمعنى «الفوكوني» للعبارة، بل هي تدبير للعطالة و«ميكانيكياً» توازن القوى والأهم هو الاحتمال… ما زالت السياسة تستمدّ عبقريتها من «الآداب الحيوانية» ولكنها لم تدخل عصر حساب الاحتمالات والقيم الكبرى الخالدة في التّاريخ.
الميكيافيللية ما زال لها دور في مسار تطور الفكر السياسي، وهي أفكار فرضت نفسها حتى على أنصار النزعة الأخلاقوية في السياسة، فالميكيافيللية لا تنكشف في وضعية السلم، بل تظهر في وضعية النزاعات، ومفترق طرق مسارات الدول، وتتجلى بشكل واضح في طقس انتحار الدُّول. وهي نزعة لا تختص بالدول بل حتى بالأحزاب السياسية وعموم المجتمع، ليست الميكيافيللية طبيعة في السلطة السياسية فحسب، بل هي طبيعة في البشر، وكذلك استوحاها ميكيافيللي من الطبيعة الحيوانية للإنسان، فالاجتماع ينزع إلى عدم الوفاء وإلى الغدر والتربّص، والإنسان في هذا الاجتماع- كما ذهب توماس هوبز- ذئب لأخيه الإنسان… لقد فرضت الميكيافيللية نفسها على السياسة والسياسيين، وجعلت الفعل السياسي معفيّاً من أي التزام أخلاقي، فالسياسة هي بحث مستمر عن الوسائل الممكنة لتنفيذ غاية وحيدة هي الحفاظ على المكتسبات.. هل سنحاكم ميكيافيللي أم السياسة أم الاجتماع أم الطبيعة البشرية؟.

*كاتب من المغرب

print