بات الوضع البيئي الناجم عن انتشار المكبات العشوائية للقمامة والنفايات في أرجاء مختلفة من محافظة درعا نتيجة تقطع السبل إلى المكبات النظامية بسبب الحرب على بلدنا غير مقبول ويحتاج خططاً وبرامج عمل ممولة باعتمادات كافية للبدء بترحيلها من جوار ومحيط التجمعات السكانية، وذلك حفاظاً على الصحة العامة من جهة، وسلامة المياه والأراضي الزراعية وكل مكونات البيئة من احتمال حدوث التلوث من جهة ثانية، علماً أن الحرب لم تخلف المكبات العشوائية فقط بل أرخت بظلالها الثقيلة أيضاً على قطاع النظافة بشكل عام بعد أن تقلص عدد آليات النظافة في بعض البلدات، أو انعدام وجودها نهائياً في أخرى لتعرضها للنهب والتخريب بينما المتبقي منها لدى بعض الوحدات الإدارية أعطاله متكررة لكبر عمرها الزمني ولم تعد تجدي مع الكثير منها عمليات الإصلاح المكلفة جداً، بالتوازي مع قلة عدد عمال النظافة الذين لا يتجاوز عددهم في بعض الوحدات أصابع اليد الواحدة.

للسكان قولهم
خلال استطلاع «تشرين» لآراء الناس عن أثر المكبات العشوائية، ذكر عدد من أهالي مدينة الشيخ مسكين أن المكب الذي ظهر خلال سنوات الحرب يشوه المنظر العام ويتسبب بروائح كريهة جداً كما أنه يشغل أراضي خاصة، وأشار بعض أهالي كفر شمس إلى أن المكب العشوائي المجاور لبلدتهم كانت تلقى فيه القمامة ليس من بلدتهم فقط بل من بلدات مجاورة أخرى وتشاهد الحرائق مشتعلة بمحتوياته في أغلب الأوقات متسببة بانبعاث أدخنة ضارة، وحال أهالي مدينة طفس ليست بأحسن، حيث أشاروا إلى أن المكب العشوائي الواقع غرب المدينة له منعكسات سلبية على محيطه الذي يكتسي بالمزارع والبساتين.
أما سكان بلدة جباب فبينوا أن الجهات المعنية مشكورة استجابت لتحديد موقع مكب نظامي بديل عن المكب العشوائي الذي أرّقهم آملين الإسراع في ترحيل محتويات الأخير إلى النظامي لإبعاد التلوث.
وواقع المعاناة فيما سبق لا يختلف من تجمع سكاني إلى آخر ممن تشكل حولها مكبات عشوائية، والأهالي لا تنفك مطالبهم عن ضرورة حل هذه المشكلة التي تكونت واستمرت على طول سنوات الأزمة لما لذلك من أثر سلبي في الصحة العامة والبيئية.
تعدد انتشارها
عن واقع بعض المكبات آنفة الذكر وغيرها وماهية الإجراءات المتخذة حيال عدد منها، أوضح المهندس ماهر الراضي مشرف ملف النفايات الصلبة في مديرية الخدمات الفنية في درعا أن المكب العشوائي الموجود ما بين مدينتي الشيخ مسكين وازرع يبعد عن الأوتوستراد من جهة الشيخ مسكين 2.5 كم وهو على أراض زراعية خاصة تبلغ مساحتها 22 دونماً، وقد تشكل على مدار 5 سنوات خلال الأزمة ويحتاج ترحيلاً إلى داخل المكب الموجود في المنطقة نفسها لرفع التلوث عن الأراضي الزراعية وخاصة أن 6 بلديات كانت تلقي القمامة فيه، وهي إضافة إلى الشيخ مسكين كل من إزرع وقرفا وإبطع ونامر والمليحة الشرقية، حيث لم يلتزم سائقو آليات النظافة حينها برمي حمولات القمامة داخل المكب وكانوا يلقونها على أطرافه، وفي الطريق المؤدي إليه كيفما كان اختصاراً للمسافة ولغياب الرقابة عنهم بسبب الظروف التي كانت سائدة، مشيراً إلى أن مديرية الخدمات الفنية قامت منذ فترة بفتح الطريق إلى المكب النظامي مع ترحيل حوالي 6 آلاف م3 من النفايات إلى داخل المكب والمتبقي حالياً أكثر من 10 آلاف م3 تحتاج ترحيلاً إلى داخل المكب مع ضرورة تأمين آليات لترفيع النفايات وإتاحة مساحات جديدة ضمن المكب ورش المبيدات الحشرية ريثما تتم إعادة تأهيل مراكز المعالجة في المحافظة، وكذلك ضرورة قيام الوحدات الإدارية بإلزام السائقين بإفراغ حمولاتهم في داخل المكب وليس على الأراضي الزراعية الخاصة أو على الطريق المؤدية إليه، ولفت الى أنه يوجد في مدينة داعل مكب عشوائي ضمن المنطقة الصناعية وفيه كمية تقدر بحوالي 15 ألف م3 تحتاج ترحيلاً للمكب النظامي الواقع في منطقة تل الخضر، مبيناً وجود نقص في آليات النظافة في هذه المدينة حيث لا يتعدى عددها 3 جرارات وكذلك العمال البالغ عددهم 7 فقط.
والحال يقاس على بلدة جباب حيث يوجد مكب عشوائي ضمن الأراضي الزراعية الخاصة وهو بحاجة إلى ترحيل، وبشأنه ذكر الراضي أنه تم اعتماد مكب جديد بمساحة 6 دونمات مخدم بطريق زراعية ويقع خارج المخطط التنظيمي إلى الشرق من البلدة بجانب محطة معالجة الصرف الصحي وهو قيد الاستملاك حالياً، وبين أن هناك مكباً عشوائياً جنوب مدينة إنخل في موقع خربة أم عثمان الأثري يحتاج ترحيلاً إلى المكب النظامي المعتمد، وفي خربة غزالة مكب عشوائي يحتاج ترحيلاً بكمية قمامة تقدر بحوالي 600 م3 وفي بلدة محجة أيضاً لكمية 700 م3 وفي بلدة إبطع يوجد مكب عشوائي جانب حرم سد إبطع بكمية 1000 م3 وإلى الشرق من البلدة مكب آخر بالكمية نفسها تحتاج ترحيلاً،بينما المكب الموجود في بلدة اليادودة لم يعد يستوعب أي كميات والحاجة ملحة لترحيل كمية 500 م3 منه.
تقدير الكميات
مخلفات مدينة درعا كانت طوال سنوات الحرب تُلقى في المكب العشوائي عند تل عرار على أراض زراعية خاصة وهو إذا ما استمر على هذه الحال قد يتسبب بمشكلة بيئية ولاسيما أنه يحتوي أكثر من 25 ألف م3 من النفايات، وأوضح المهندس أمين العمري -رئيس مجلس مدينة درعا أن الرمي في هذا المكب المؤقت كان يتم لعدم التمكن من بلوغ المكب النظامي في منطقة البحار في حي درعا البلد، والحاجة الآن ماسة لعملية ترحيل تلك الكميات إلى المكب الأخير بعد أن أصبح متاحاً الوصول إليه، لافتاً إلى أن عدد الآليات العاملة في قطاع النظافة في مدينة درعا قليل وأغلبها قديم بحاجة لإصلاح متكرر وبتكاليف عالية، كما يوجد نقص في الحاويات حيث لا تلبي حالياً حاجة المدينة بمختلف أحيائها ولاسيما بعد عودة جميع أرجائها إلى كنف الدولة وما ترتب على ذلك من اتساع رقعة التخديم، كما أن عدد عمال النظافة قليل حيث تراجع خلال الحرب من 450 عاملاً إلى حوالي 150 عاملاً.
وبالنسبة لمدينة طفس ذكر المحامي محمد عايش الحايك رئيس مجلس المدينة أنه يتم رمي القمامة في مكب عشوائي على الحدود الإدارية مع بلدة المزيريب وبالتحديد عند خربة صمخ التي تعد منطقة أثرية وزراعية وتوجد فيه كمية تقدر بنحو 40 ألف م3 وهي تحتاج ترحيلاً إلى المكب النظامي الذي كان معتمداً مقابل تل الخضر ضمن أراضي مدينة داعل.
وفي بلدة كفر شمس الحال ليس بالأحسن، إذ ذكر المهندس خالد الحمدان رئيس مجلس بلدتها لـ«تشرين» أنه يوجد شمال غرب البلدة على بعد 2.5 كم مكب عشوائي على اتجاه بلدة كفر ناسج بمساحة 3 دونمات، حتى إن المكب النظامي على طريق جاسم البالغة مساحته 4 دونمات يجاور المزارع وكثيراً ما اشتكى منه الأهالي، وقد تم بعد الكشف من مديرية الخدمات الفنية على الواقع اختيار موقع بمساحة 6 دونمات عند تل العلاقيات وهو حالياً قيد الاستملاك ويكفي البلدة سنوات طويلة، وقد بدأت عمليات رمي القمامة فيه فيما ينبغي ترحيل الكميات الموجودة في المكب العشوائي والمقدرة بـ 3 آلاف م3 إليه، ولفت إلى أن هناك صعوبات تواجه أعمال النظافة تتمثل في قلة العمال والآليات حيث لا يتوافر سوى 4 عمال وجرارين اثنين.
وبالنسبة لمدينة نوى ذكرت مصادر المكتب الفني في مجلس مدينتها أنه يوجد مكب عشوائي على طريق الدلي ويحتاج أعمال ترحيل للنفايات الموجودة ضمنه إلى المكب النظامي بعد أن يتم ترفيع النفايات داخل الأخير، بينما لم تغفل المصادر نقص آليات النظافة التي تتكون من 4 جرارات وكانسة واحدة فقط، بينما السيارات الضاغطة بعدد 2 معطلة وتحتاج صيانة وكذلك هناك نقص في عدد العمال الذي لا يتعدى 8 عمال فقط.
وفي بلدة الصنمين يوجد أيضاً مكب عشوائي فيه أكثر من 30 ألف متر مكعب بحاجة لترحيل وفقاً لما ذكرته مصادر مجلس المدينة فيها التي أشارت أيضاً إلى نقص آليات النظافة وفي عمال النظافة.
وبشكل عام هناك مكبات عشوائية في بلدات أخرى متفرقة من المحافظة تقوم مديرية الخدمات الفنية بالتواصل مع وحداتها الإدارية لبيان الكميات المتراكمة فيها للعمل على ترحيلها مستقبلاً ولاسيما تلك الموجودة في منطقة حوض اليرموك وفي مقدمتها بلدة الشجرة أو بعض قرى الريف الشمالي والشرقي.
أضرار بالغة
المهندس كمال برمو -مدير الخدمات الفنية في درعا ذكر لـ «تشرين» أن الظروف التي مرت فيها المحافظة خلال سنوات الحرب خلفت واقعاً صعباً لآلية معالجة النفايات الصلبة على مستوى المحافظة لكون مراكز المعالجة المعتمدة من قبل الدولة تقع في مناطق يصعب الوصول إليها آنذاك، حيث إن عملية المعالجة كانت تتم وفق مركزين، الأول مركز المعالجة المتكامل في مدينة درعا ويخدم القطاع الجنوبي من المحافظة والثاني مركز المعالجة في منطقة الفقيع ويخدم القطاع الشمالي، ويتبع لهذين المركزين 5 محطات نقل وتجميع للنفايات تغطي كامل مساحة المحافظة، وقد تعرضت منشآت إدارة النفايات الصلبة هذه للتخريب والحرق والسرقة بشكل كبير أدى إلى خروجها بالكامل من الخدمة، وبعد أن بات في الإمكان الوصول إلى تلك المراكز جرى حصر أضرار منشآت إدارة النفايات الصلبة التي بلغت قيمتها 1.679 مليار ليرة وتشمل مشاريع المنطقة (أ) ومعمل السماد والمطمر الصحي ومبنى معالجة النفايات الطبية والخطرة والمبنى الإداري والمباني الملحقة مع القبان والخزان والبئر ومحطات النقل والتجميع في سحم الجولان والصّورة وغصم ومركز التحويل مع خط التغذية للمنطقة (أ)، لافتاً إلى أن عملية إعادة تجهيز مركز المعالجة المتكامل في المنطقة (أ) تعد من الأولويات لكونها تخدم أكثر من ثلثي مساحة المحافظة وتعالج موضوع النفايات بشكل مدروس وموضوعي وتسمح بالتخلص من الأثر البيئي السلبي للنفايات.
ولجهة مشكلة المكبات العشوائية في المحافظة ذكر برمو أن ظهورها ارتبط بالظروف التي كانت سائدة في المحافظة ولعدم القدرة على الوصول إلى المكبات النظامية، ونظراً للأثر البيئي السلبي لهذه المكبات، فمن الضروري منع استمرار الرمي العشوائي خارج المكبات النظامية لمنع ظاهرة التلوث ولاسيما أن بعض هذه المكبات يقع بالقرب من التجمعات السكانية ما قد يتسبب بانتشار الأمراض من جراء ذلك، وقدر مدير الخدمات قيمة ترحيل المكبات العشوائية المترامية بحوالي 100 مليون ليرة.
نقص عمال وآليات
وبيّن برمو أنه من خلال التواصل مع الوحدات الإدارية في المحافظة اتضح أن آليات النظافة فيها تضررت بشكل كبير، بينما دُمر وسرق الكثير منها وهو ما انعكس سلباً على الخدمة داخل تلك الوحدات، وقد تم توثيق 15 وحدة إدارية على مستوى المحافظة من دون أي آلية نظافة، في حين يوجد نقص في آليات الوحدات الإدارية الأخرى، حتى إن آليات النظافة الموجودة في 23 وحدة إدارية مختلفة تحتاج إصلاح أعطال، بالتوازي، فإن المحافظة تحتاج الحاويات بشكل متزايد نتيجة الاستهلاك والتخريب لعدد كبير منها وتقدر حاجة المحافظة الحالية للحاويات من مختلف الأحجام بحوالي ألف حاوية يتم الآن السعي لتأمينها.
خلفتها الحرب
المهندسة صفاء المحمد -مديرة البيئة في درعا ذكرت أن المكبات العشوائية هي أماكن وقع عليها الاختيار لإلقاء النفايات الصلبة والتخلص منها من دون مراعاة للأسس والشروط الصحية والبيئية، وبشكل عشوائي ومخالف للقانون ويقوم أحياناً باختياره المجلس البلدي بالاتفاق بين أعضائه ما قد يعطيه الصفة القانونية، وفي بعض الأحيان يكون الناس قد اعتادوا على إلقاء نفاياتهم في هذا المكان، وهذا في حدّ ذاته يشكل مشكلة كبيرة تُلحق الضرر والأذى بالإنسان والحيوان والتربة والنبات والمصادر الطبيعية ولاسيما المياه الجوفية والسطحية، إضافة إلى الإضرار بالقطاعات الاقتصادية المختلفة سواء التجارية أو السياحية أو غيرها.
وأشارت المحمد إلى أن هناك مجموعة من الأسباب أدت إلى نشوء وتزايد أعداد مكبات النفايات من أهمها سنوات الحرب الطويلة التي تركت آثارها على الواقع وعرقلت إمكانية التصدي لهذه المشكلة وغياب تطبيق القانون المتعلق بالنفايات الصلبة، وعدم توافر الإمكانات المادية لمواجهة المشكلة، وكذلك ضعف الخبرات الفنية في مجال إدارة النفايات الصلبة، والسبب الأهم هو انخفاض الوعي عن أهمية المحافظة على البيئة وإدارة النفايات الصلبة ابتداءً من البيت وانتهاءً بمكب النفايات.
وعن دور مديرية البيئة بهذا الشأن أوضحت المحمد أنها تقوم بالتعاون والتنسيق مع دائرة النفايات الصلبة في المحافظة بمتابعة واقع المكبات والمشاركة في اختيار مواقعها والرقابة الدورية على المنشآت الصناعية للتأكد من تطبيقها الشروط البيئية ومن ضمنها إدارتها لنفاياتها الصلبة، وإقامة حملات توعية ميدانية في المدارس والأحياء والأسواق لنشر المعرفة والتثقيف بالمخاطر والأضرار الناتجة عن التلوث البيئي وما يتبعه من مخاطر صحية وبيئية محتملة على الإنسان والبيئة.
أخيراً..
لا شك في أننا أمام مشكلة بيئية قد تتسبب إذا ما استمرت واتسعت تلوثاً بيئياً غير محمود النتائج، ما يتطلب تشخيص واقع المكبات العشوائية واقتراح الحلول السريعة والملائمة التي تسهم في إبعاد أضرارها الصحية عن الأهالي بالدرجة الأولى ومن ثم عن مكونات البيئة بكل مفرداتها،
إن عملية اختيار مواقع مكبات النفايات ليست بالعملية السهلة بسبب محدودية الأراضي الصالحة لهذه الغاية، إلى جانب ضرورة رفد البلديات بعدد كاف من آليات النظافة ومحاولة تعيين أكبر عدد ممكن من عمال النظافة للنهوض بواقع النظافة ضمن مختلف مدن وبلدات المحافظة، والآمال معقودة على أن يتم لحظ إعادة تأهيل وترميم منشآت قطاع معالجة النفايات الصلبة في المحافظة في الخطط المستقبلية القريبة لما لها من دور فعال في تحسين الواقع البيئي.

طباعة

عدد القراءات: 5