آخر تحديث: 2019-12-14 13:36:39
شريط الأخبار

جندية مجهولة من وطني

التصنيفات: مجتمع

في زيارة لي جاءت مصادفة للعيادة النفسية في مستوصف القديس يوسف الخيري في الدويلعة بدمشق التي تهتم بالأطفال المعوقين عقلياً ممن نسميهم ذوي الاحتياجات الخاصة «صعقت» بمشاهدة سيدة تضع ثلاثة أطفال معوقين عقلياً لا تتجاوز أعمارهم السابعة في حضنها وتدربهم مجتمعين تدريباً -تدركه كاختصاصية نفسية- يساهم في تنمية مدارك هؤلاء الأطفال وتطويرها، إنهم إلياس، محمد، علي»، كم هم مندمجون بفرح مع مدربتهم التي تعلمهم بطريقة اللعب الفرحة، وكم هم مندمجون مع بعضهم.
فضوليتي دفعتني لأن أجلس مستمعاً وملاحظاً حركات وتوجيهات وتدريبات المعلمة وتفاعل تلامذتها معها، والجهد الذي تبذله بفرح وسعادة واضحين على وجهها وسلوكها من أجل تأهيل وإسعاد وتنمية مدارك هؤلاء الأطفال.
استمتعت بذلك اللقاء الذي تجاوز الساعة ونصف الساعة إلى أن أنهت المدربة درسها بتقبيلها «أبناءها» ووداعهم وتسليمهم لذويهم المنتظرين في قاعة ثانية.
فضوليتي دفعتني لأن أسأل السيدة عن اسمها وعملها ومؤهلها العلمي وبداية عملها في هذا المضمار الإنساني فقالت: أنا فيروز موسى عماري الحاصلة على دبلوم في علم النفس من جامعة دمشق والمتطوعة عام 1994 مجاناً مدة أربع سنوات في أسرة الإخاء السورية والبادئة عملها مع الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة في التنمية الفكرية والعلاج النفسي والسلوكي والعاملة بعدها في الأسرة براتب 12500 ل.س حتى عام 2017 والمتابعة عملها المجاني في الدعم النفسي لأشقائنا العراقيين المهجرين في مركز راهبات «الراعي الصالح» في دمشق بين أعوام 2003-2007 والمتابعة العمل نفسه في المركز نفسه منذ بداية الحرب الظالمة على سورية منذ عام 2011 وحتى الآن والعاملة تطوعاً في حركة «إيمان ونور» فرع كنيسة سيدة دمشق من خلال تأهيل الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة منذ عام 1997 حتى الآن والمتابعة عملها المجاني في مستوصف القديس يوسف في الدويلعة بدمشق والعاملة بمعدل اثنتي عشرة ساعة يومياً مضيفة:
«أعيش الفرح والغبطة في حياتي لأني أساهم في مساعدة الإنسان المجروح عقلياً وتأهيله
ومساندته وأهله معنوياً وعاطفياً، كما أشعر بأن عملي يحقق جزءاً من طموحاتي وآمالي المتلخصة في محبة الإنسان وترجمة هذه المحبة عطاء لأي إنسان أصادفه من أبناء وطني الناهض من الحرب الظالمة والمفروضة عليه، وتزداد غبطتي وسعادتي عندما ألمس انتقال كثير ممن أدربهم وعائلاتهم من حالات اليأس والقنوط إلى حالات الرجاء والأمل، وأطمح لأن أزرع المحبة والأمل في قلوب الذين التقيهم من مرضى وأهل، كما أطمح لأن أطوّر إمكاناتي العلمية والعملية لأكون جزءاً من مشروع وطني إنساني يزرع بسمة الأمل في كل شبر من أرض سورية الحبيبة الغالية من خلال عمل إنساني متكامل يكون للكثير من الراغبين سلوك تلك الطريق الشاقة والمفرحة في آن معاً، هنيئاً لفيروز الجندية المجهولة والعاملة بصمت وبعد عن الأنظار منذ خمسة وعشرين عاماً بمعدل اثنتي عشرة ساعة يومياً.
هنيئاً لوطني المعطاء والمملوء بالكوادر الوطنية والإنسانية التي تسخّر حياتها من أجل إسعاد الإنسان وبخاصة المهمّش والمجروح.
وليكتشف كل منا الوزنات التي منحها الله له ويفعّلها ويسخرها في خدمة الإنسان والمجتمع والوطن وليقتدِ كل منا «بفيروز» وأمثالها من الجنود المجهولين العاملين بصمت وبُعد عن الأنظار وليحاول إشعال شمعة يساهم من خلالها في بثّ النور في قلبه وقلوب من حوله.
وليتحول وطننا الغالي سورية إلى ورشة عمل حقيقية بأبنائه الذين يسخرون قدراتهم العقلية والفكرية والعلمية والاجتماعية والعملية والجسدية لينهض الأبناء بوطنهم ويعيدوا بناءه على الصعد جميعها.

طباعة

التصنيفات: مجتمع

Comments are closed