لا بدّ من أنّ معظمنا سجّل ذكرياته على وريقاتٍ ما أو على دفترٍ اشتراه مزهوّاً لينقش عليه آهاته السعيدة ولواعجه الحارة وغزليّاته بـ«أم عيون لوزيّات» ذاتِ الشفاه الورديّات والخصر الغزلانيّ أو كتبتْ إحداهنّ عن أوّل لقاء وملأت دفتر ذكرياتها بالورود المجفّفة وقلوب الحبّ المخترقة بسهام «كيوبيد» العاشق.
لكن صديقي «أبو خضّور» وفي سهرة بوحٍ وجدانيٍّ وبعد عدة كؤوسٍ من الـ… الشاي «الخمير» الأسود سحبَ دفتر مذكراته من درج خيباته وسمح لي بقراءته.
كانت معظم مذكراته كما لو أنها مشاهد من أفلام «شارلي تشابلن», إذ إنه كتب مثلاً:
«بتاريخ كذا، في يوم افتتاح المسرحية الفلانية: حاولت التهرّب من صديقي فلان لأنني لا أملك أن أردّ له ديناً قديماً, لكن للأمانة سجّلته هنا في الدفتر». ثم كتب ملاحظة تقول: «راجع الدفتر القديم لعلّك وفّيتَه ونسيتَ أن تسجّل (مع رسمةٍ لوجهٍ غاضب).
وبعد عدّة أوراق يشرح فيها نظريته «الصميدعيّة» عن ضرورة أن يبتهج الإنسان بما لديه من معرفة ومخٍّ «فلتة من فلتات الزمان» حتى لو لم يكن في جيبه وفي «جزدان» زوجته و«مطمورات» أولاده ما يكفيهم مدة يومين على الأكثر… كتب أيضاً: «بعد انتهاء عيد ميلاد صديقنا أبو آرام استدنتُ منه مبلغ خمسة آلاف ليرة وأصبح المبلغ كاملاً خمسين ألفاً. وبقيت في ذمتي ألفان لزميلتنا من سعر الكاتو المقرمش الذي التهمناه فرحين على أنغام «الهابي بيرث دي تو يو» (ورسمٍ لوجهٍ ضاحكٍ بفمٍ مثل فم المهرّج).
وهكذا تكرّرت مفردات: «استدنت، وفّيت، واصل ليد الكهربجي، بقي في ذمتي، تذكّر دين فلان، لا تنسى أقساط الأولاد والجمعية والقرض وأجرة البيت والبقية من تصليح الغسالة و…
حتى ظننت أنني أقرأ دفتر جارنا «الدكنجي» وليس دفتر مذكرات «إعلاميّ قدّ الدنيا» لكنه من فئة موظّف… الله يشفيه ويعافيه»!.

print