آخر تحديث: 2019-11-19 21:09:50
شريط الأخبار

عجبتُ للمالكِ القنطارَ …

التصنيفات: ثقافة وفن

هل خزنُ المال وحفظُه يحفظُ صاحبَه أم يذلّه ، ماهي العلاقة بين المال وصاحب المال ؟ وفي أيِ المجالات والسبل تكون ضرورةُ البذل ، كيف كانت نظرة أصحاب الأدب لأصحاب المال ؟ وهل كانت المادةُ في توصيفهم هي ماديةً صرفة ،، أم الإنسان المعافى  هو الغاية والهدف ؟

يوصي أبو العلاء الشاعر ذي البصيرة من يمتلك أموالاً ببذلها ، لأنّ خزنها لا يخلِّدُه .. وهو لايني مظهراً تعجّبَهُ ممن يريدُ المزيد كلما ومهما زاد مالُه ، مع أنّ كثرةَ المال لا تجلب إلّا الشرور لصاحبها ، فما الجدوى من تكديسها طالما ما يكفي متوفر ، فعلام يطلب مالك القنطار المزيد ؟:

عجبتُ للمالكِ القنطارَ من ذهبٍ        يبغي الزيادةَ ، والقنطارُ كافيهِ

ويقولُ في موضعٍ آخر :

إذا أُتيتَ مالاً فابذُلَنْهُ            فما يُبقيهِ توفيرٌ وخزنُ

أما البحتري فينفي أن يكون المالُ هو المغنمَ الحقيقيَّ ، بل معرفة طريق الخلاص والنجاة هو ما يجب أن يكون العمل عليه والرغبة فيه وضالّة ذوي الحِجى :

فلا تحسبِ الغُنْمَ جمعَ التلاد            فإنَّ النجاةَ هي المغنمُ

وليتَ النجاءةَ للمنصفين                تُرجَّى ، فكيف لمن يَظلِمُ ؟!

وأما قيمةُ المرء الحقيقية فهي في أدبه وما يتركه من أثر ، وليست في المال أو الجاه أو النسب ، يقولُ أحمد شوقي :

قلْ للمدلِّ بمالِهِ وبجاهِهِ                وبما يجلُّ الناسُ من أنسابِهِ

هذا الأديمُ يسدُّ عن حضَّارهِ            وينامُ ملءَ الجفن عن غيّابهِ

إلّا فتىً يمشي عليه مجدِّداً              ديباجتَيهِ معمِّراً لخرابهِ

ما مات من حاز الثرى آثارهُ             واستولتِ الدنيا على آدابِهِ

ويرى الشهير الشريف بكرمه حاتم الطائي أنَّ العطاء يكون للذي نحب ونهوى من الناس فعلينا إهانة المال دون تردد أو خشية ، لأنه إن لم يُنفق فسيكون بعد أن أشقى صاحبَه لغيره ممن سينفقُه كيفما اتفق ، فالطائي السخي  يدعو إلى البذل للأحباب بسخاء ، فقلّما يجلبُ وارثٌ حمداً لمورّثه :

أهِنْ في الذي تهوى التلادَ ،فإنهُ             يكونُ إذا ما متَّ نهباً مقسَّما

ولا تشقَيَنْ فيه فيسعدَ وارثٌ             به حين تخشى أغبرَ الجوفِ مظلما

يراهُ لهُ مالاً إلى لبت مالِه                    وقد صرتَ في خطٍّ من الأرض ، أعظُما

قليلاً به ما يحمدنَّك وارثٌ                   إذا ساقَ مما كنت تجمعُ مغنما

وفي ذلك يقول ابن الرومي:

أبقيتَ مالَك ميراثاً لوارثِهِ                    فليتَ شعري ، ما أبقى لك المالُ؟

القومُ بعدكَ في حالٍ تسرُّهُمُ               فكيف بعدهمُ حالتْ بك الحالُ

ملُّوا البكاءَ ، فما يبكيكَ من أحدٍ          واستحكمَ القولُ في الميراثِ والقالُ

ألهتْهُمُ عنك دنيا أقبلتْ لهمُ                وأدبرتْ عنك ، والأيامُ أحوالُ

ويدلي الشاعر العاشق العذريُّ كثيّر عزَّة بدلوه في ذلك معتبراً أن المال وسيلةٌ تُبذل في سبيل الأصدقاء والأحباب فتعينهم وتفرحَهم وتفرج كربهم ، يقول عاشقُ عزّة:

إذا المالُ لم يوجدْ عليكَ عطاؤهُ          حقيقةَ تقوى أو صديقاً ترافقُهْ

منعتَ ، وبعضُ المنع حزمٌ وقوّةٌ          ولم يعتملْك المال إلّا حقائقُه

وأحبّ أن أختم بهذه الأبيات المنسوبة لإمام أهل كمال الحكمة والأدب:

أموالُنا لذوي الميراث نجمعُها                 ودُورُنا لخـرابِ الـدهر نـبنيها

والنفسُ تكلف بالدنيا، وقد علمَتْ         أنَّ السلامةَ فيها ، تركُ ما فيها

فلا الإقامةُ تُنجِي النفسَ من كَلَفٍ         ولا الفرارُ من الأحداثِ يُنجِيها

وكلُّ نفسٍ لها زورٌ يصبِّحُها                     من المنيَّةِ يوماً ، أو يمسِّيها

 

 

 

 

 

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed