«لم يكن يوم 16 تموز الماضي من الأيام الاعتيادية في الولايات المتحدة الأمريكية»، عبارة رددها كثر، بعد تصويت مجلس النواب على مشروع قرار بإدانة عنصرية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي دعا أربع نائبات من يتحدرن من أصول أجنبية للعودة إلى بلادهن الأصلية.
فاز القرار بأكثرية 240 صوتاً من بينهم 4 جمهوريين، ضد 187 صوتاً، ومع أنه رمزي غير ملزم ولا إمكانية بالتصويت عليه في مجلس الشيوخ ذي الأغلبية الجمهورية، لكن كان له وقع القنبلة السياسية، فهو غير مسبوق بلهجته ولا بالسرعة القياسية في طرحه وإقراره بعد حوالي 48 ساعة من «تغريدة» ترامب التي أثارت زوبعة من الردود والإدانات التي لم تهدأ بعد.
مسارعة الديمقراطيين في مجلس النواب كانت مدفوعة باعتبارات سياسية، انتخابية لتوظيف هذا التطور لمصلحتهم وقد تحقق لهم ذلك إلى حد بعيد، وفي الوقت ذاته كانت مدفوعة أيضاً برغبة لحمل ترامب على التراجع لتخفيف الاحتقان العنصري الذي لا يحتمل المزيد في هذا الوقت المأزوم.
لكن ترامب الذي كرر موقفه من النائبات الأربع قبل تصويت النواب بساعات قليلة، وبعده أيضاً، لا يبدو أنه في صدد العودة عنه، بل على العكس، فهو يعتزم التمسك بهذا الخطاب خلال الحملة الانتخابية كسلاح فعال لاستنفار قاعدته التي لا يروق لها سماع شيء أكثر من هذه النغمة العنصرية، وتبقى العنصرية ورقة يعرف الطرفان في الكونغرس مدى خطورة اللعب بها.
هذه القضيّة تُبرز رغبة ترامب بشحن حملته الانتخابية للرئاسة عام 2020 بخطاب عرقي عنصريّ، محاولاً استمالة ناخبيه وأغلبيتهم من البيض أصلاً، ترامب أشعل بعنصريته أيضاً نار معارضيه ومنتقديه، تصريحاته التي استهدفت عضوات بمجلس النواب الأمريكي، عبر حسابه في «تويتر»، فتحت الأبواب لمنافسيه على الانتخابات الرئاسية القادمة ليصعدوا ضده، إذ تطرق بتصريحاته إلى أصول نساء في الكونغرس من الحزب الديمقراطي، قائلاً بسخرية: «من المثير للاهتمام أن نرى نساء الكونغرس الديمقراطيات التقدميات، اللائي جئن أصلاً من بلدان تعد حكوماتها الأسوأ والأكثر فساداً مقارنة بأي مكان في العالم، ويقمن بصوت عال الآن بإخبار شعب الولايات المتحدة بشراسة كيف تدار حكومته».
ولا يمكن ذكر عنصرية ترامب دون تذكر كتاب «نار وغضب» للمؤلف مايكل وولف، وكتاب «المعتوه» لمساعدة ترامب السابقة أوماروسا مانيجولت الذي تنتقد فيه بشكل لاذع وصريح الرئيس الأميركي وتقول مانيجولت، والتي كانت أبرز المستشارين من أصول إفريقية في البيت الأبيض، في مذكراتها: إن ترامب العنصري استخدم كلمة «زنجي» مراراً وتكراراً.
يبدو أن مشاعر التمييز العنصري والتفرقة على أساس اللون أو الدين أو الثقافة تزداد الآن في الولايات المتحدة الأمريكية وتعود للواجهة من جديد، بحيث أصبحت تهدد وحدة المجتمع، وإذا استمرت هذه الحالات، فإن المجتمع الأمريكي مهدد بالانهيار وبالصراعات الداخلية.

print