تتحايل أم علي على تأمين متطلبات بيتها اليومية بالمبالغ المالية المحدودة التي تصلها شهرياً، ويصبح حالها كمن حلت عليه مصيبة مع كل طارئ يتطلب منها إنفاقاً مفاجئاً لم يوضع في الخطة. هذه الحال تمثل حال الأغلبية العظمى للأسر السورية، وإلى جانبهم نسبة أقل، تأكل «الأخضر واليابس» في هذا البلد، وتجمع ثرواتها على حساب الفئات الأوسع من الناس. في هذا الموضوع نحاول معرفة الأسباب الحقيقية لظهور هذا الخلل في الحياة الاقتصادية بين شرائح المجتمع، والحلول المقترحة للخروج من هذا الواقع بالتزامن مع المرحلة المقبلة من إعادة الإعمار.

ضعف الإدارات والفساد

يقدم مدير القطاع الصناعي في وزارة الصناعة المهندس بركات شاهين، ومعاون وزير الصناعة الأسبق والمغترب حالياً، قراءته للواقع الاقتصادي في سورية عبر عقود سابقة وصولاً إلى متطلبات مرحلة إعادة الإعمار…
يقول شاهين: إن ضعف الإدارة والفساد هما السبب فيما وصلت إليه سورية، فقد كان الفساد دخيلاً لكنه استوطن، وبتعاقب بعض الإدارات الفاسدة وبتقادم الآلات وخروجها من دائرة الإنتاج كلياً تآكلت سيولة الشركات والأصول بكاملها، ما أدى إلى إضعاف القطاع العام ودوره التاريخي.
في البدايات ساهم القطاع العام من خلال شركات التجزئة ومؤسسات التجارة الداخلية والخارجية في إيجاد الظروف الملائمة لتوفير فائض في السلع وبأسعار تنافسية، ما جنب البلد التلاعب بالأسعار «الاحتكار»، وحافظ بدوره على قيمة الليرة السورية، وأيضاً التخفيف من الضغط على المستوردات، وأكبر شاهد على نهب القطاع العام أن أغلب المديرين هم حالياً أصحاب فعاليات، وملاك لشركات خدمية وإنتاجية، ووكلاء لشركات أجنبية، وهم أنفسهم من استغل ظروف البلد في بداية الأحداث ونقلوا فعالياتهم وأموالهم إلى الخارج بالرغم من حصول بعضهم على قروض مصرفية أودعوها في الخارج عن طريق شركات الصرافة أو هربوا معها، منهم على سبيل المثال من نقلها من المنطقة الصناعية في الشيخ نجار إلى المدن الصناعية في مصر أو تركيا ويسددون القروض أو تهربوا من دفعها أو يسددونها بنسبة لا تتجاوز 7% من قيمتها، والكثير ممن اقترضوا بالقطع الأجنبي «يورو» يسددون قروضهم حالياً بالليرة السورية، ومعفاة من فوائد التأخير.. ويسأل البعض: كيف خسرت الليرة السورية ٩٠٪‏ من قيمتها؟

جيب المواطن

هؤلاء أيضاً هم من أوقع المصارف في عجوزات تعوضها وزارة المالية من جيب المواطن الذي يعيش حالياً الفاقة وبأقل من 10% من دخله قبل الأحداث، بينما الذي سرق أموال السوريين بلا رحمة لا يمكن أن يفكر بإعادة ولو جزء منها، إذ لم نسمع عن رجل أعمال سوري تبرع بجزء من أمواله للتخفيف من العجز في ميزانية الدولة، أو لإعادة بناء المدارس أو المشافي أو خدمات الماء والكهرباء.
كما تمكن ملاحظة كيف أن شركات ورجال أعمال كباراً في العالم يتبرعون بجزء من ثروتهم أو كلها في أعمال خيرية في أنحاء متعددة من العالم، وأشار شاهين إلى أن تقديرات أموال السوريين المهاجرة تقدر بنحو تريليون دولار موجودة في الخارج، ويعتقد المهندس شاهين أن 10% من هذا المبلغ يمكن أن تساهم في إعادة إعمار سورية لو تم التبرع بهذه النسبة فقط.
يسأل شاهين: أليس من حق الشعب السوري أن يعيد جزءاً من أمواله، ويتساءل عن أخلاق بعض التجار التي تجعل أصحاب المليارات منهم يحجمون عن ترويج سياسة التبرع السائدة في كل دول العالم، فحتى في دولة مثل رواندا التي أصبحت نجمة أفريقيا بعد أن عانت من ويلات الحرب الأهلية التي دمرت كل شيء فيها وشتت شعبها اعتمدت على جهود أبنائها ومساهمة الميسورين منهم ومن غيرهم لإعادة إعمارها، فكيف الحال في بلد مثل سورية كبر الكثير من تجارها من لحم أكتاف هذا الوطن.
وأضاف شاهين أن أغلب الشركات الكبيرة يشارك فيها رجال أعمال سوريون لهم ترتيب في قائمة أغنياء العالم، وهناك أناس انتقلوا من العدم إلى مصاف الحيتان بسبب استنزاف ثروات البلد وأموال الناس، والقصة أنهم يسرقون من «البذار وليس البيدر»، أي من رأسمال الشركات وليس من فوائض الإنتاج، أو استورد مواد أو آلات بعشرة أمثال قيمتها الفعلية، والكثير منهم استفاد من ظروف الحرب والتسهيلات المقدمة في عقود الشراء وتهرب من الضرائب، وورد مواد وسلعاً مخالفة، وقسم من الموردين ساهم في الاحتكار ورفع الأسعار من دون رحمة.

خبرات لغيرنا

ويرى شاهين أن ظروف إعادة إعمار سورية مختلفة، لأنه إذا كان البعض يعول على أموال الخليج، فإن مساعدات الخليج جاءت لسورية في السبعينيات من فوائض ارتفاع أسعار النفط إثر حرب تشرين وليس كرم أخلاق منهم، والغرب منشغل حالياً بالعمل على دمج المهاجرين السوريين والاستفادة من كفاءاتهم التي حققت عوائد تقدر بنحو ٢٢ مليار يورو هذا العام لألمانيا كما ذكرت «دير شبيغل».
الإدارات لم تحسن استثمار العقل السوري حتى الآن، وأخيراً نسأل: لماذا ينجح السوري خارج سورية؟ ويرى أن هذا يعني سوء اختيار، فخلال الخمسين سنة الأخيرة تأهل أكثر من نصف مليون خريج من مختلف مجالات العلوم والتقانة خارجياً، وأنفقت الدولة عليهم مئات المليارات…
يقول شاهين: قرأنا أن خمسين يابانياً درسوا في أمريكا كانوا سبباً في حضارة اليابان،فهل سأل أحدنا: أين الرأسمال السوري الذي عمَّر سورية بعد الاستقلال ووضعها في المرتبة ٢٣ بين الدول الصناعية في العالم؟ الرأسمال الوطني هو من موَّل مياه عين الفيجه والكهرباء وشبكات الطرق والنقل، وأقام الشركات المساهمة في كل المجالات كالخماسية والمغازل والدبس والدباغة والإسمنت والزجاج والنسيج والسكر.

بيئة آمنة

لمعرفة رأي أصحاب الفعاليات الاقتصادية بما يثار عن تراجع دورهم في المساهمة بتحسين واقع الحياة الاقتصادية قال خازن غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق: إن هناك الكثير من المسوغات والأسباب لتراجع هذا الدور، ويضيف أن رأس المال، سواء كان نقدياً أو بشرياً أو معنوياً، جبان، ولذا عندما يخاف الإنسان على نفسه يبحث عن مكان آخر، وكذلك الأمر بالنسبة لرأس المال النقدي الذي يحتاج إلى بيئة من أجل الحياة، وفي حال عدم وجود هذه البيئة يبحث عن بيئة أخرى، والموضوع ليس هروباً، وإنما الاستثمار في المكان الأنسب.
ولكنه يؤكد أنه لا يمكن فصل أهمية استثمار الإنسان في وطنه عن دوره الوطني في إنعاش اقتصاد بلده، لذلك يجب الآن في هذه المرحلة دعوة الأفراد والشركات إلى الاستثمار الداخلي، ولن يكون هذا الأمر متاحاً ما لم يشعر أي مستثمر بوجود بيئة عمل يستطيع أن يؤمن بها على نفسه وماله (وهذا متوافر حالياً) كما يضيف.

ضمان الربحية

ولكن مازالت هنالك حاجة إلى إيجاد علاقة طردية بين الحكومة والمستثمر «الاستثمار»، ويقصد بالاستثمار كل ما يتعلق به من الصغير إلى الكبير، والذي يعمل ضمن تشريعات البلد أو ضمن قانون الاستثمار يحتاج استقراراً ووضوحاً في التشريعات، ويحتاج أيضاً معايير عمل متكافئة، والإنسان الذي يساهم في عملية البناء، ومن ثمَّ فهي علاقة طردية متكافئة القوى بين جميع عناصر هذه المعادلة وليست علاقة عكسية، فالمستثمر برأسماله أو بنفسه وبعلمه، يحتاج ضمان الربحية، وإذا لم تتوافر الربحية بحسب الجهد المبذول فسنجد صعوبة في عودة الاستثمارات البشرية والمادية، الصغيرة والكبيرة.
يضيف حلاق أن سورية الآن لديها فرصة ذهبية في حال استطاعت الحكومة استثمارها بالشكل الصحيح، وهي عودة الرساميل المادية والبشرية، وذلك بسبب حنين ورغبة كل السوريين (وأنا أعلم ما أقول) للعودة والعمل والاستثمار في بلدهم، ولكن ما زلنا نعاني عدم تطابق هذه الرؤى بين جميع الأفراد على هذا الأمر.

المواطن ومواقع القوة

وإذا كانت هذه رؤية تمثل أصحاب الفعاليات الاقتصادية فإن الخبيرة الاقتصادية والوزيرة الأسبق د. لمياء عاصي تقدم مقاربة للواقع الاقتصادي بين المواطن ومواقع القوة، وترى أن السوريين يحلمون ببدء مرحلة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي بعد سنوات طويلة من الحرب، ولكن الواقع يحفل بأزمات شتى لعل أهمها: الحصار الاقتصادي والعقوبات الأوروبية والأمريكية، وهجرة الكوادر والأموال السورية، وانكماش الناتج المحلي الإجمالي، وانخفاض سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية، وما سببه من انخفاض في القدرة الشرائية لعامة الناس من ثمَّ ارتفاع معدلات البطالة وانتشار الفقر، إضافة للمهاجرين أو النازحين الذين أجبرتهم ظروف الحرب على هجر مساكنهم.

سياسات خلاقة

وترى د. عاصي أن معالجة تلك الأزمات عملية صعبة تحتاج سياسات اقتصادية خلاقة تتسم بالعمق وبالشمولية والديناميكية، مدعومة بآليات الوصول إلى التمويل بأكفأ وأسرع الطرق، سياسات غير تقليدية سواء بالنسبة للهيكل أو البناء المؤسساتي، أو بالنسبة للذهنية التي تقوم باجتراح الحلول المناسبة، فهل هذه حال السياسات الاقتصادية في سورية؟
المعروف أن السمة العامة لسياساتنا تعتمد على الحلول الإسعافية والمراوحة في المكان، لذلك مازالت مشاكلنا تتفاقم لتؤدي في مجملها إلى انخفاض الدخل وتدني المستوى المعيشي للناس، إضافة إلى المشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تجذرت وانتشرت، ظهرت في المجتمع السوري ظواهر مقلقة تتمثل في تركز الكثير من النشاطات التجارية أو الاستثمارية بأسماء شخصيات وشركات صارت معروفة، والسؤال المباشر الذي يخطر في بال المتابعين للشأن السوري: هل تقوم تلك الشخصيات بأنشطة تجارية واستثمارية تنسجم مع الأولويات التنموية التي تحتاجها البلد؟ أم إن الربحية وتكوين الثروات بأسرع ما يمكن هما سيدا الموقف، وبغض النظر عن الإجابة، أصبح الاحتكار سمة خاصة بالاقتصاد السوري، وهذا له انعكاس سلبي على مدى تنافسية الاقتصاد الوطني والثقة به.
إن الواقع الاقتصادي المعقد والمرتبك الذي يدور فيه أغلب الناس بين انعدام فرص العمل للشباب وانخفاض قدرتهم الشرائية وفقرهم وانسداد الأفق أمامهم، يطرح الكثير من التحديات والأسئلة ومنها:
1- لماذا لا تكون السياسات الحكومية واضحة في قضايا أساسية مثل الإنتاج الصناعي، الزراعي، الخدمي، الاستيراد والتصدير، ويكون متاحاً للجميع في حال تلبية الشروط والمتطلبات، لماذا يراعى فلان ويستطيع أخذ التسهيلات وتوضع العراقيل أمام علان..لأسباب مختلفة؟
2- لماذا لا تتخذ إجراءات تمنع عمليات الالتفاف على القانون؟ مثلا: استيراد السيارات ممنوع نظرياً، لكن بدعوى التجميع المحلي يمكن الاستيراد عملياً.
3- لماذا لا يتم إلغاء الإجراءات الروتينية والشروط التي تمنع إنشاء الكثير من المنشآت التي تساهم في زيادة الإنتاج المحلي، ولاسيما تلك التي لا علاقة لها بالجودة والأمان والسلامة؟
4- لماذا لا توجد جهة منفذة لتقارير هيئة المنافسة ومنع الاحتكار لتتمكن من العمل بشكل جيد وحيادي في منع كل أنواع الاحتكار التي تؤدي إلى تشوه الأسواق والأسعار وإعمال مبدأ المنافسة وتكافؤ الفرص؟ ولا سيما أن قانون إحداث الهيئة جاء فيه أن مهمتها «تحديد القواعد المنظمة لحرية المنافسة والالتزامات الموضوعية على كامل المنتجين والتجار ومقدمي الخدمات والوسطاء الآخرين».
5- السؤال الأخير، والذي يسأله كل مواطن: لماذا لم نسمع عن مكافحة حالات فساد بالرغم من أنه أصبح متفشياً ومتجذراً في بعض المؤسسات والشركات العامة والخاصة وعلى كل المستويات؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، قد يفتح الطريق لمعالجة المشكلات الرئيسة لاقتصادنا، وهي بشكل رئيس ناتجة عن تداخل عوامل أساسية، لعل أهمها: انعدام الكفاءة في المؤسسات وطريقة اتخاذ القرارات الحكومية.
وكذلك الفساد المالي والإداري بكل أشكاله، وتركز المشاريع والأنشطة الاقتصادية بأسماء معينة، الأمر الذي ينعكس على سورية اقتصادياً واجتماعياً، حيث يمنع الاحتكار التطور والنمو في البلد، ومن ثمَّ غياب العدالة الاجتماعية، ويؤثر الفساد سلباً في الدولة ويحرمها من إيراداتها، الأمر الذي لا يمكِّنها من الإنفاق على الخدمات الأساسية من التعليم والصحة والأمن، ولا يسمح لها بدور تدخلي لمصلحة المواطن، كما أنها لا تستطيع خوض غمار إنشاء المشاريع الإنتاجية العملاقة وإقامة البنى التحتية، وهذا يفسر أن تلجأ الدولة إلى تمويل معظم المشاريع التي تحتاجها بعيداً عن خزينة الدولة ولو كان على حساب عوائدها المستقبلية… إن هذه المعادلة التي تتشكل من أغلبية فقيرة بالكاد تستطيع العيش، وأقلية مترفة تمتلك الكثير من المشاريع والشركات والأصول، تستطيع تجاوز القانون متى وكيفما شاءت، يساعدها في ذلك منظومة الفساد التي تنتشر في كل المؤسسات العامة، تؤدي فيما تؤدي إلى انعدام الثقة بين الدولة والمواطن، وينتج عن ذلك المزيد من المشاكل الاقتصادية والسياسية.

خلل النظام المالي والضريبي

تضيف د. عاصي أن بروز بعض رجال الأعمال الفاعلين والمؤثرين في مختلف المجالات الاقتصادية لدينا، ومهما كانت الأنشطة التجارية أو الاستثمارية التي كوَّنوا منها ثرواتهم، لن يكون سلبياً بالمطلق، فيما إذا لعب النظام الضريبي والجمركي دوراً فاعلاً لمصلحة قوة الدولة، إلا أن ما هو معروف أن الدوائر المالية التي تشكل أحد أضلع منظومة الفساد وأكثرها تأثيراً في الدولة والمكلفين، ولا سيما أن آلية العمل فيها تعتمد الطرق الورقية القديمة وتساعد على إخفاء المعلومات والتقاطعات التي يقوم عليها العمل الضريبي، ولم يجرِ تطبيق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والاستفادة من إمكاناتها الهائلة في السرعة والدقة والقدرة على استرجاع المعلومات الخاصة بالمكلف من مصادر مختلفة وتقاطعها لضمان صحتها ودقتها، وتحاول وزارة المالية تعويض تطوير العمل الضريبي والجمركي بمداهمة المحلات ومكاتب الشركات بطريقة عشوائية وبدائية، لا تخلو من الفساد، ولا تؤدي إلا إلى إتقان المواطنين لعبة القط والفأر…. ليس إلا.

print