آخر تحديث: 2019-12-16 04:43:20
شريط الأخبار

«السلفية» كأداة لنشر التخلف وضمان مصالح القوى الغربية

التصنيفات: رؤى عربية

«السلفية» هي، ببساطة، دعوة لرفض الجمال، وانتصار لثقافة الموت على ثقافة الحياة، والحياة المقصودة لا تُختصر في كون المرء يتنفس ويأكل ويشرب ويتكاثر.. إلخ. وإن كان هذا المقصود لكان «السلفيون» من أشد دعاة الحياة لأنهم شَرهون وبشكل مضاعف، مع التأكيد أن دعوتهم ستصب في الختام في مصلحة حرمان عموم الناس من تلك المطالب الطبيعية، ولكن المقصود هو الحياة الحقيقية حيث يمكن للإنسان أن يحلُم ويحب ويشعر بنشوة المعرفة ويتشارك المرح مع الآخرين ويتذوق الجمال من حوله ويراكم التجارب والخبرات وينتزع من كل لحظة كل ما هو ممكن، ليضاعف عمره مرتين وثلاثاً.
الحقيقة أن «السلفي» الذي يتاجر بالنصوص الدينية، وبالعاطفة المؤيدة لهذه النصوص، والتي تم غرسها في أذهان الأطفال منذ الصغر، في سبيل تحريم وتجريم أشياء مثل الرسم والنحت والسينما والموسيقا، وبغرض شن الحرب على المرأة وذمّها واستنكار عملها وإضعاف حضورها في المجتمع والتأفف من ذلك لو حصل.. فإنه لا يفعل شيئاً في النهاية سوى تلوين الدنيا بالسواد، وخطوة بعد أخرى يُحوّل المجتمع إلى ما يشبه قبراً كبيراً ثم يقوم بدفن الناس فيه أحياء، واعداً إياهم بـ«الثواب»، كأنه يملك مفاتيح الثواب والعقاب.. ويتصاعد غروره لضمان نجاته، ثم نجاة أتباعه.
ولم تكن الدعوات «السلفية» لتنتشر لولا الدعم المالي الذي جاءها من بعض العواصم الخليجية، ومن مؤسسات دينية هناك يموّلها أثرياء، ويدعمها قرار سياسي غربي في السياق النهائي، باعتبار أن انتشار «السلفية» هو بمنزلة غرس تيار حليف لهذا النظام أو ذاك، ويعمل على خدمة مصالحه المادية الواقعية على الأرض، بعيداً عن الخُطب المثالية الرنانة، وقد رأينا في مصر كيف اعتمدت جمعيات مثل «الجمعية الشرعية» و«أنصار السنة المحمدية» على ملايين من الجنيهات الآتية من أنظمة ومؤسسات خليجية، وأن هذا التمويل السخي، كان السبب وراء انتشار «التسلف» وتفشي مظاهره، وما ينطبق على مصر ينطبق على الكثير من الدول العربية.
المشكلة المُضافة والواضحة في التيار «السلفي» (خاصة الشق الذي يمكن أن نسميه السلفية الجديدة) أنه يعتمد منهجاً ظلامياً، ثم يجتهد بكل طاقته من أجل إفساد وتعقيد الحياة على المستوى المحلي، وفرض حالة من الكآبة والهوس والتناحر، ثم عندما يتأكد نجاحه- بقدر معتبر من مهمته في فرض التخلف وسد مجاري الحياة- يهتف سريعاً:«اللهم هجرة» باحثاً عن منحة ما أو فرصة عمل في البلدان الغربية، التي لم تعتمد أفكاره، ضارباً عرض الحائط بأن تلك البلدان من جهة قد أسست نجاحها على ما نهبته إبان الفترة الاستعمارية لقارات العالم، وعلى ما تراكمه اليوم عبر إضعاف اقتصاد غيرها من الدول وضمان تسيُّد منتجاتها على الأسواق العالمية.. ومن جهة ثانية أنها تعتمد أفكاراً تتضاد مئة في المئة مع أفكاره «السلفية» والماضوية والجامدة والطائفية والوصائية..
وبناء على رصد هذه المشكلة، يمكنك أن تفهم سبباً رئيساً من أسباب دعم الغرب المستمر «للسلفية»، فمن ناحية لنشر التخلف في منطقتنا، ومن ناحية ثانية لضمان وضعه هو كطرف أقوى وجذاب وباهر.
وقد كان مفكرونا دقيقين عندما نبّهوا إلى أن الدعوات «السلفية» ودفن الرؤوس في رمال الماضي هي بمنزلة تمركز أوروبي معكوس، حيث يعد «السلفي» أن كل المنجز الحداثي (بما فيه الفنون والموسيقا والديمقراطية وحقوق المرأة) يخص الحضارة الغربية، ثم يرفضه على هذا الأساس، وهذا فيه تمجيد للغرب عكس ما يعتقد هو، وفيه كذلك إطاحة بالإسهام الحضاري الإنساني العام، بما فيه العربي. والحقيقة، أن «السلفية» هي مؤامرة على التراث العربي والإسلامي، وهذا عكس ما يراه كثيرون، لأن «السلفية» تحاسب الناس، أولاً، على أساس الانتماء الطائفي والمعتقدي، وليس إفادتهم للإنسانية، وتالياً فهي ستستبعد و«تشيطن» كل العلماء أو المبدعين الذين لا يوافقون رؤيتها أو معتقدها.. وثانياً، لأنها معادية للموسيقا والرسم في الحاضر، فكيف لها أن تمجّد أي مُوسيقي أو رسّام في الماضي؟!.. وتالياً فهي لن تفعل سوى إهالة التراب عليهم، وتهميشهم، أو إيجاد سبيل للإساءة إليهم وتكريه الناس بهم، مثلما حدث مع زرياب وإسحاق الموصلي مثلاً.
وكان المفكر سمير أمين مُميزاً عندما خلص في هذا السياق إلى أنّ إيديولوجيا التمركز الأوروبيّ المعكوس تخدم مخطَّطاتِ الإمبرياليّة، لأنّها لا تناضل حقيقةً ضدّها ولا تقدِّم بديلاً عمليّاً وعلميّاً لها. والحال أنّ الإمبرياليّة لا يهمّها الدينُ أو الثقافة ما لم يتعارضا مع أطماعها؛ ولنا في التحالف التاريخيّ بين الولايات المتحدة والنظام السعودي أسطعُ مثال.
كما أشار إلى أنّ الدعوات للعودة إلى «السلفيّة» والموروث الثقافيّ هي أعلى أشكال التمركز الأوروبيّ بما يمثّل من دعوة عالميّة إلى التبعية؛ وعليه، فإن هذه الدعوات هي معكوس التمركز الأوروبيّ، لا نقيضه. كما أن نقل الصراع من الأرض (الواقع المادّيّ) إلى سماوات الاختلاف الثقافيّ، يلتقي مع دعوات كبار منظّري الإمبرياليّة الذين قالوا بـ«نهاية التاريخ» و«صراع الحضارات والثقافات».. لذلك تجد إيديولوجيا الاستشراق المعكوس تعلن الحربَ على «الثقافة الغربيّة» من دون أيّ برنامج نضاليّ ضدّ الرأسماليّة.

*كاتب من مصر

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed