لا شك أن معظم أوجاعنا الاقتصادية الحالية ناجمة عن الحصار الاقتصادي الظالم على بلدنا، ذلك الحصار الذي سبب ارتفاع الأسعار وضعف الإنتاج وانخفاض القيمة الشرائية للأجور، هذا صحيح ولكنه ربما يشكل نصف الحقيقة فقط, أما النصف الآخر فهو أننا غير قادرين على المنافسة في الأسواق الخارجية، ولم نركز جيداً على أهمية تصدير فائض إنتاجنا من السوق المحلية منذ ما قبل الحرب الإرهابية على بلدنا، والدليل على ذلك مثلاً أن مشكلة تسويق إنتاج الحمضيات لدينا كانت قبل الحرب ولا تزال برغم وفرة الإنتاج، وكذلك الأمر بالنسبة لمحصول الخضار والفواكه، ومن المعلوم أن دولاً لا تبعد عنا كثيراً كانت تستورد معظم ما تحتاجه من تفاح وعنب وحمضيات وفواكه من الصين والهند وجنوب إفريقيا وتشيلي ولا تستورد من الإنتاج الزراعي السوري إلا القليل منه برغم أن التفاح السوري مثلاً من أجود الأنواع في النكهة والقساوة والمواصفات، والسبب في ذلك يعود إلى ضعف الفرز والتوضيب لمنتوجاتنا وجهل فلاحنا بالأنواع والأحجام المطلوبة للأسواق الخارجية، والسؤال الذي يطرح نفسه في حال تم فك الحصار الاقتصادي عن بلدنا: هل نحن جاهزون للتصدير والمنافسة في الأسواق الخارجية وهل ستغزوا حمضياتنا الأسواق الأوروبية مباشرةً، وهل سيغطي الإنتاج السوري حاجة أسواق إقليمية من التفاح والعنب والخضر، هل سنرى منتوجاتنا الزراعية وصناعتنا الغذائية منتشرة في الأسواق العالمية؟ هل الحصار هو السبب الوحيد في عدم دوران عجلة اقتصادنا بالشكل المطلوب، نحن لا نتحدث عن منتوجات ومصنوعات معقدة وتحتاج تكنولوجيا متقدمة، نحن نتحدث عن بضائع لدينا الإمكانية في إنتاجها بأسعار منافسة, ولاسيما أننا نتغنى بانخفاض أجور الأيدي العاملة لدينا، ما نحتاجه فعلاً هو توفير شروط المنافسة في هذه البضائع من توضيب وإتقان ودراية بالمواصفات والأذواق للأنواع المطلوبة خارجياً، فلنهيئ أنفسنا منذ الآن على تصريف فائض إنتاجنا من الخضار والفواكه، وإذا لم يكن في الإمكان تصديرها طازجة فلنحولها إلى صناعات غذائية، فليتحول التفاح المكدس في البرادات إلى خل ومربيات مثلاً والخيار إلى مخللات، ولتتحول الحمضيات إلى عصائر ومنكّهات وغيرها، ويمكن الجزم عندئذ بأن إنتاجنا سوف يصل الأسواق الخارجية حتى ولو كان هناك حصار, فيما لو كانت نوعيته جيدة وتوضيبه ممتازاً وسعره منافساً.

print