آخر تحديث: 2019-12-13 00:10:44
شريط الأخبار

شعريّة التدفّق

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

يمثّل التدفّق على المستويين السردي والشعري سمة بارزة من سمات الشعر الملحمي الذي يخلو منه تراثنا الثقافي، بالمعنى الاصطلاحي المتّفق عليه للشعر الملحمي، الذي تشير الدراسات الأدبية المعاصرة إلى وجود أشكال ثقافية موازية له في تراثنا الشعبي تحديداً، كالسير الشعبية التي تتصّدرها سيرة الزير سالم من ناحية حيازة الصفة الملحمية، إضافة إلى وجود قصائد قديمة تقترب من حيازة هذه الصفة كقصيدة عمرو بن كلثوم المعلّقة. وفي مجريات التطور الثقافي العربي الذي شهده النصف الثاني من القرن العشرين، وتمكّن الشعر (الجديد) بمسمّياته الاصطلاحية جميعها، من تثبيت أقدامه، وفرض نبضه على المشهد الشعري العربي، لم تعد قدرة الشاعر على الإتيان بفيض من الأبيات المتدفّقة في المجرى الواحد للوزن والرويّ والقافية تعني ما كانت تعنيه في الأزمنة السالفة التي كان طول القصائد العمودية واحداً من معايير تلقّيها الحسن لدى الجمهور، صارت قدرة الشاعر على ممارسة التكثيف على شتى الأصعدة الشعرية معياراً رئيساً من معايير جودة القصيدة المعاصرة. تذهب نظرية الرواية في الثقافة الغربية إلى نشوء الرواية من فنّ الملاحم القديمة، من زاويتي الحبكة القصصية المتضمّنة في الملحمة والرواية، وترى نظرية الرواية ذاتها أنّ قدرة الروائي على تنظيم غزارة التدفّق السردي هو العامل الأبرز في منح النص السردي صفته وميزاته الفنّية، والواضح في هذا السياق أنّ (غزارة التدفّق السردي) لاتزال صفة محبّذة في التأليف الروائي الذي شهد عصرنا انزياحَ بعض نماذجه المتقدّمة الرائدة باتّجاه التكثيف المشابه للتكثيف الشعري. خلافاً للشعر المعاصر الذي لا يزال ينظر إلى فكرة التدفّق عموماً، واعتماد السرد أساساً في العمل الشعري عاملاً من عوامل إضعاف القصيدة وإصابتها بالتراخي والترهّل، إلى حدود إخراجها من صفتها الشعرية المرغوبة. في ثنايا تناول تراثنا الثقافي القديم، وإخضاعه للتساؤل بشأن خلّوه من فن الملاحم والشعر التمثيلي، يبدو السبب قائماً أساساً في طبيعة الثقافة الشفهية التي سادت مراحل تكويننا الثقافي الأوّل في عصر ما قبل الإسلام، إضافة إلى نشوء تلك الثقافة في البوادي وليس في المدن وأماكن الاستقرار التي كانت قائمة على تخوم البوادي، وليس داخلها، والبحث في هذا الشأن يستدعي كثيراً من التفاصيل التي تضيق بها حدود هذه المساهمة، ومع ذلك يستطيع الباحث أن يجد كثيراً من السمات التي تجعل قصيدة عمرو بن كلثوم أقرب قصائدنا القديمة إلى حيازة الصفة الملحمية.

طباعة

التصنيفات: آفاق,زوايا وأعمدة

Comments are closed