آخر تحديث: 2019-11-22 21:33:39
شريط الأخبار

ذهبَ المُداوِي والمُداوَى والذي ..

التصنيفات: ثقافة وفن

ما كان أجدى لو روينا ظمأنا وسددنا عوزنا مما كتبه ذوو البصيرة والتجربة في شؤون وشجون الحياة وأحوالها المتباينة ،،إذن لكُنّا ـ والحالة هذه _ في مأمن من كل اختراق لأقانيم نعميات القيم والثقافة التي تشكل شكل وجوهر العافية والمعافاة.

من الموضوعات التي أحب أن أتناول بعض جوانبها ما كتبهُ ذوو التجارب المتراكمة والرؤية السليمة الحكيمة في الطب والأطباء والدواء والمداواة :

أبدأ بتوصيف المتنبي لحمّى ألمّت به فجاء بقصيدةٍ لا تدري أهي لوحة شاعر أم تشخيص طبيب ، يقول:

وزائرتي كأنَّ بها حياءً                        فليس تزورُ إلّا في الظلامِ

بذلتُ لها المطارفَ والحشايا             فعافتها وباتت في عظامي

أبِنتَ الدهرِ ، عندي كُلُّ بنتٍ             فكيف أتيتِ أنت من الزحامِ؟!

ويقول الفرزدق في توصيف جرحٍ رمّه طبيبٌ فأبان تفريطه ومستوى تدبيره :

إذا مالجرحُ رمَّ على طبيبٍ         تبيّنَ فيه تفريطُ الطبيبِ

ويوجهُ المعرّي ببصيرته المتفتحة المتقدة رسالةَ نصحٍ من مجرِّب حكيم ،مستنكراً على بعض الأطباء “عدمَ إيمانهم بالخالق”، مندهشاً مستغرباً نكران الحقيقة المطلقة عند بعض الأطباء وهم أقرب إلى العبور إليها وتلمُّسِها، كيف لا وقد درسوا وشاهدوا هذا التركيب الخارق لجسم الإنسان في وظائفه التشريحية البيولوجية المتناسقة المعجزة:

عجبتُ للطبيب يُلحدُ في الخالقِ       مِــن بعــدِ درسِــهِ التشــريــحا !

ويقولُ في موضعٍ آخر في إشارةِ إلى عبثيّة المفرّ :

صرفَ الطبيبُ عنِ الطعام          وقالَ : مأكلَهُ يضرْ

كُل يا طبيب ولا خلاصَ          من الرّدى ، فلمن تفرْ ؟!

فالطبيب لا يمكنهُ أن يؤخرَ أو يقدّم في عمر المرء شيئاً، إنما يستخدم العلم للوصول إلى حالة الشفاء، ولكنَّ ذلك لا يجدي نفعاً حين يحلّ قضاء الله ويجيء أجلُ المرء، وهم بذلك يشيرون إلى أنه لا شفاء إلّا بإذن الله، وفي ذلك يقول أبو العتاهية:

ما للطبيبِ يموتُ بالدّاءِ الذي        قد كان يبرئُ مثلَهُ فيما مضى؟!

ويقولُ في موضعٍ آخر :

ذهبَ المُداوي والمُداوَى والذي      جلبَ الدواءَ وباعهُ ومنِ اِشترى !

ويُروى أنّ الرشيد قال عند موته :

إنَّ الطبيبَ له علمٌ يدلُّ به            مادامَ في أجَلِ الإنسان تأخيرُ

حتى إذا انقضتْ أيامُ مُهلتِهِ          حارَ الطبيبُ ، وخانتهُ العقاقيرُ

ويتعجّب رشيد سليم الخوري (القرويّ) من أولئك الذين يهبون جُلَّ أموالهم بسخاء تجنُّباً للردى، وأمّا من أجل المكرمات ـ والتي هي الأبقى _ فلا يبذلون شيئاً :

عجباً لمن يهبُ الطبيبَ جميعَ ما         ملكتْ يداه ُ لكي يجنِّبَهُ الردى

وإذا دعتهُ المكرُماتُ أعارها                صمماً ، ولم يبسطْ لعاربةٍ يدا

يعطي الكثيرَ لكي يطيلَ حياتَهُ           سنةً ، ولايعطي القليلَ ليخلدا

وأحبُّ أن أختم  بإشارة الفرزدق الهادية إلى الطبيب الحقيقي الذي تنعقدُ عليه آمالُ ذوي النُّهى، وهو جديرٌ بألّا يخيبَ راجيه، يقول:

هو الطبيبُ الذي يُرجى لعافيةٍ           لا من يذيبُ لك الترياقَ بالماءِ

 

 

 

 

 

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed