هل ثمة تواطؤ – من نوع ما- لمنح ترامب ولاية رئاسية ثانية؟
سؤال استدعته «حالة اليقين» التي سيطرت على استطلاعات الرأي منذ إطلاق ترامب حملته الانتخابية في 19 حزيران الماضي.. «حالة يقين» بأنه سيفوز لا محالة، ولكن كيف ولماذا؟
حالة اليقين هذه هي القصة كلها، أولاً لكونها غير متوقعة بعد عامين ونصف العام من ولاية ترامب التي اقترنت بكل ما هو سلبي داخلياً، وكارثي خارجياً، وهذا ما كان يعكسه تأكيداً وتثبيتاً الأمريكيون أنفسهم ووسائل إعلامهم على اختلافها.. ثانياً لكونها مفاجئة في توقيتها – أي مع انطلاق الحملات الانتخابية – لتصبَّ كلياً في خدمة ترامب.. وثالثاً لكونها جاءت مدعومة بآراء وتوقعات لكبار الاقتصاديين الأمريكيين خصوصاً من ينتمون إلى «وول ستريت».. بعض الاستطلاعات والتوقعات لم تتحدث عن فوز فقط بل أكدت أن فوز ترامب سيكون «ساحقاً»،
يُضاف إلى ما سبق توقيت انتهاء تحقيقات القاضي مولر التي أفضت إلى تبرئة ترامب مما عدّه الديمقراطيون خيانة وطنية كبرى بحق الولايات المتحدة.
وعليه ماذا يحتاج ترامب أكثر وأهم من دعاية كهذه.. من هنا يأتي سؤال التواطؤ وكيف انقلب الحال بين ليلة وضحاها، فالجهات التي كانت حتى الأمس القريب جداً أشرس مهاجمي ترامب (خصوصاً الإعلام: سي إن إن، إي بي سي، واشنطن بوست، نيويورك تايمز..الخ) تبدو اليوم وكأنها أكبر المروجين له.
صحيح أن «حالة اليقين» تتكئ على الاقتصاد بالدرجة الأولى، وعلى نجاح ترامب في تسويق كذبة أنه «صانع معجزات اقتصادية».. ولكن ماذا عن خصومه الديمقراطيين، لماذا يبدون وكأنهم في «حالة تواطؤ» أيضاً، هل يعقل – على سبيل المثال – أن يكون هناك 30 مرشحاً ديمقراطياً دفعة واحدة (وهو العدد الأضخم تاريخياً) لمواجهة شخص واحد.. علماً أن النقطة الأساسية ليست في العدد بل في كون أي من هؤلاء الـ 30 لا يتمتع بالقاعدة الانتخابية المطلوبة للمنافسة ولمواجهة ترامب، بمن فيهم الأبرز بينهم جو بايدن.. وعندما نتحدث عن القاعدة الانتخابية فليس المقصود فقط الشعبية أي الناخبين، بل الحزبية أيضاً، أي الحزب الديمقراطي الذي لا يبدو ميّالاً لأي من هؤلاء حتى وإن كان يعطي إشارات بأن بايدن هو الأوفر حظاً، وهذا الـ «الحظ الأوفر» ينطلق فقط من كونه أكثر شخصية معروفة للأمريكيين من بين المرشحين الآخرين وذلك لاشتغاله بالسياسة منذ أربعة عقود على الأقل، تسلم خلالها عدة مناصب رفيعة، عدا عن ترشحه مرتين للانتخابات الرئاسية.
عدوى «حالة اليقين» انتقلت إلى وسائل الإعلام، وهي التي بينها وبين ترامب حرب شعواء، وهذا أكثر ما يُفاجئ في طرف لطالما نصَّب نفسه قاضياً لمحاسبة ترامب وتقريعه ونعته بالأسوأ من الصفات والشتائم.. هل هذا الإعلام متواطئ أيضاً، أم مفروض عليه التواطؤ.. هل بإمكاننا أن نتحدث عن تواطؤ مفروض فرضاً، بمعنى أن الدولة العميقة كما فرضت فوز ترامب في 2016 ستفرض فوزه في 2020 لكون المرحلة الأمريكية والعالمية تتطلب شخصية مثل ترامب؟
تكثر الأسئلة التي تستدعيها بروز حالة اليقين تلك، بهذه الصورة وبهذا التوقيت بعد عامين ونصف العام من ولاية ترامب الرئاسية الأكثر إثارة للجدل والتوترات في الداخل الأمريكي.. وللأزمات على المستوى العالمي وفي كل القضايا ومع الجميع حلفاء وخصوماً.. هذا الوضع الذي قابله تشكّل: أولاً تكتلات سياسية وقضائية وإعلامية في الداخل الأمريكي لمواجهة ترامب، وثانياً تكتلات على المستوى العالمي لردع ترامب ووضع حد لسياساته التي تقوم على التأزيم العالمي (ولكن من دون الدخول في حروب عسكرية) وبما يُبقي جميع الخيوط في يد واشنطن تديرها كما تشاء.. ويبدو أن المطلوب أمريكياً هو استمرار «التأزيم العالمي» وسياسات الابتزاز والمقايضات التي يجيدها ترامب تماماً كـ«تاجر فاجر» وعلى قاعدة أن على الجميع الاختيار بين أن يكون تحت السيطرة الأمريكية، أو أن يكون تحت سطوة أزمات داخلية وبينية تبدأ ولا تنتهي.. لذلك المطلوب أن يبقى ترامب رئيساً، والمطلوب فرض التواطؤ في سبيل ذلك.
هذا ما تمكن قراءته بعد حوالى الشهر من انطلاق السباق الرئاسي الأمريكي إلا إذا استجد جديد.. فما زال يفصلنا عن يوم الحسم عام ونصف العام تقريباً (موعده في 3 تشرين الثاني 2020)، وهذه مدة زمنية طويلة وكافية لظهور العديد من المفاجآت.. لننتظر ونر؟

من الواضح أن ترامب سيخوض الانتخابات الرئاسية وفق حملة هي نسخة طبق الأصل عن حملته الانتخابية عام 2016 بشعارات «أمريكا أولاً» و«وإبقاء أمريكا عظيمة» مُضافاً إليها ما يسميه ترامب «الوعود التي أنجزت» أو بعبارة أدق الأهداف التي مررها داخلياً وخارجياً سواء أعجب ذلك الأمريكيين أم لم يعجبهم، وسواء كانوا يريدونها أو لا يريدونها.. وترامب يبدو على يقين أنه سينجح هذه المرة أيضاً، وهو ما يصرح به في كل مناسبة، فيبدو الأمر وكأن كل أوراق اللعبة الانتخابية في يده، فيما لا يمتلك خصومه الديمقراطيون إلا الجلوس، ووضع اليد مضمومة مقبوضة تحت الذقن، ومراقبته وهو في طريقه إلى الفوز.. والسؤال: هل الأمر هو حقاً كما يبدو؟
أوراق ترامب
لنفهم أكثر، سنعرض تحليلات كبار المراقبين والمحللين الاقتصاديين التي يقدمونها جواباً على سؤال: لماذا سيفوز ترامب؟.. والجواب يلخصونه في 13 نقطة هي:
1- الوقت: لدى ترامب وقت غير محدود لحملته الانتخابية، في حين سيقاتل المنافسون الديمقراطيون وقتاً طويلاً حتى ينال واحد منهم ترشيح الحزب.
2- تحقيق مولر: حيث انتهى إلى نتيجة مرضية لترامب الذي عدّه صك براءة بأنه فاز بجدارة في انتخابات عام 2016.
3-الاقتصاد القوي: وهذا أقوى أوراق ترامب، خصوصاً مع توارد التقارير الاقتصادية التي تؤكد أن الاقتصاد الأمريكي حقق تقدماً كبيراً لم يشهده منذ عام 2001.
4- الجمهوريون بصورة مختلفة: سيدعم الجمهوريون ترامب في انتخابات 2020 بصورة موحدة، بعد أن كانوا منقسمين بشأنه قبل انتخابات 2016.
5- التحكم بقاعدة الحزب الجمهوري بشكل يفوق أي شخص آخر: تظهر استطلاعات الرأي الموثوق بها أن 90 في المئة من أعضاء الحزب يؤيدونه.
6- المال: تمكنت حملة ترامب خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2019 من جمع 30 مليون دولار، فضلاً عن أموال أخرى تقدر بـ50 مليون دولار لدى اللجنة الوطنية للحزب الجمهوري.
7- الوظائف: ازدهرت الوظائف بمعدل أسرع في المناطق الريفية الموالية لترامب، أكثر من معاقل الديمقراطية في المدن الكبرى، وفقاً لوكالة «بلومبرغ».
8- وول ستريت واثقة من فوز ترامب: أظهر أحدث استطلاع للرأي أن رواد سوق المال والأعمال الشهير في نيويورك (أي وول ستريت) يتوقعون فوز ترامب وبفارق كبير جداً.
9- تاريخ الانتخابات بجانب الرئيس: رئيسان فقط فشلا في الحصول على ولاية ثانية خلال نصف القرن الأخير، هما جورج بوش الأب وجيمي كارتر.
10- أطول حملة انتخابية: ما مضى من ولاية ترامب – حتى الآن – كان حملة انتخابية بدأت منذ اليوم الأول لرئاسته في 20 كانون الأول 2017، حيث قدم مباشرة أوراق إعادة انتخابه للجهة المعنية، ليسلك طوال المدة الماضية مسلك «المرشح» معتمداً في كل قراراته وجولاته وتجمعاته الداخلية وزياراته الخارجية على تحقيق أكبر تأييد ممكن.
إرث مفتوح.. ولا حروب
11- الضحية والمنتصر: يمثل ترامب كلا الدورين ويجمع بينهما في أحيان كثيرة، فهو تارة يقدم نفسه ضحية الإرث السيئ الذي آل إليه من أوباما، والملاحقات والهجمات والضغوط التي يتعرض لها، أكثر من أي رئيس أمريكي كما يقول ترامب.. ثم يربط ترامب كل ذلك بأنه «رئيس ناجح، وأفضل من يعقد الصفقات في الاقتصاد والسياسة، وأكثر من جلب الأموال والوظائف وفرص العمل للأمريكيين، وحقق لهم اقتصاداً يُحسدون عليه، وبفضله ما زالت الخيوط العالمية في يد الولايات المتحدة.. ومن هنا قوله إنه إذا ما خسر الانتخابات فسيتحول جميع الأمريكيين إلى فقراء، وستخسر أمريكا الرئيس الأفضل كي تبقى على قمة الهرم العالمي».. وحسب استطلاعات الرأي فإن النقطة الأساسية لا تقوم على مسألة الأداء الاقتصادي القوي أو الفشل في السياسات الخارجية وغير ذلك من المسائل الانتخابية، المسألة هي في فكرة الإقناع، أي إقناع الناخبين، الرافضين أو المترددين، وتعزيز المؤيدين.. وهنا يبدو ترامب متقدماً على خصومه الديمقراطيين.
12- إرث طويل الأجل: من السهل بالنسبة للديمقراطيين الكشف عن العديد من أوجه القصور في أداء ترامب خلال الفترة الماضية، لكن كيف سيواجهون «إرث مشاريع ترامب طويل الأجل».. مجمل القضايا – خصوصاً الخارجية – ما زالت مُعلقة أو مفتوحة، بمعنى أن الديمقراطيين مُجبرون على اللعب في «ملعب ترامب وبين جمهوره»، وغالباً ما يُفضل الأمريكيون أن تنتهي المشاريع على يد من بدأها، أي الرئيس نفسه، لأنه الأقدر على التعاطي معها، بما في ذلك الأزمات الدولية، وما أكثرها في عهد ترامب.
13- لا حروب: القضية الوحيدة التي يمكن أن تطغى على الاقتصاد الجيد في أذهان الناخبين، هي التدخل العسكري الخارجي، ورغم التهديدات والتغريدات الصاخبة التي يطلقها ترامب إلا أنه «لم يتورط » حتى الآن في مغامرة عسكرية كبيرة في الخارج.. وفي هذا الصدد تنقل صحيفة «وول ستريت» (عدد 23 حزيران الماضي) عن مسؤول أمريكي قوله: إن ترامب يعبر دائما ً عن قناعته بأن الحرب هي أكثر من سيؤثر سلباً في فرصه الانتخابية سواء على مستوى الناخبين أو على مستوى الخصوم الذين سيستغلون الحرب كورقة هجوم ، كما فعل أوباما في انتخابات 2008 مستغلاً ورقة العراق للفوز، عندما وعد بإنهاء الحرب وإعادة الجنود الأمريكيين إلى الديار.
أوراق الديمقراطيين
الآن، في مواجهة هذه النقاط ماذا يمتلك الديمقراطيون؟
1- السياسة الخارجية: بشكل عام لم تتغير الأوراق التي يملكها الديمقراطيون بين عامي 2016 و 2020 ونستطيع القول: إنها لم تزد ولم تنقص، وعلى رأسها السياسات الخارجية واتهامات الديمقراطيين لترامب بتقويض الدور القيادي لأمريكا على المستوى العالمي، وهم يقولون: إذا كان ترامب يريد بناء سياسات خارجية جديدة فهو على الأكيد لا يستطيع فعل ذلك من خلال خسارة الحلفاء، بينما هو يعجز عن كسب الخصوم أو حتى استمالتهم، أو التأثير فيهم لتغيير سياساتهم المعادية للولايات المتحدة.. لكن الثابت هنا أن الديمقراطيين لم يستطيعوا استخدام هذه الورقة جيداً (خلال العامين ونصف العام الماضية من ولاية ترامب) بمعنى أنهم لم يستطيعوا جعلها في موقع متقدم لدى الأمريكيين، أو إنهم لم يستطيعوا أن يقرؤوا جيداً توجهات الأمريكيين التي شهدت تحولاً جذرياً خلال السنوات الماضية باتجاه أن تكون الأولوية للوضع المعيشي إلى جانب قضايا الصحة والهجرة والمناخ… الخ، وكلها بشكل عام مرتبطة بالوضع الاقتصادي والمستوى المعيشي.. وإذا ما عدنا إلى أولى المناظرات التي جرت مؤخراً بين المرشحين الديمقراطيين نلاحظ كيف أن السياسات الخارجية كانت في المقدمة، بينما ترامب عندما يتحدث يكون لديه الداخل هو الأولوية، بمعنى أن ترامب يُظهر للأمريكيين أنهم هم الأهم، وأن سياساته الخارجية تصب في مصلحتهم اقتصادياً.. وهذا ليس دفاعاً عن ترامب بقدر ما هو عرض للوقائع فقط، ولماذا لا يستغل الديمقراطيون ورقة السياسة الخارجية بكل ما توفره لهم من إمكانات لتقويض فرص ترامب.
2- ورقة مولر: يستطيع الديمقراطيون استعادة هذه الورقة إلى جانب مجمل التحقيقات الأخرى في مسألة «فساد ترامب» حتى لو كان تحقيق مولر انتهى إلى تبرئة ترامب.. بالإمكان استغلال التحقيقات ونتيجتها للتشكيك مجدداً بـ«مصداقية ترامب الوطنية»، وإظهار أن نتيجتها كان أساسها الضغوط لمنع إدانة ترامب وليس لكشف الحقيقة.. لكن كما يبدو فإن قرار الديمقراطيين هو طي هذه الورقة كما الأوراق الأخرى (وبما يعيدنا في كل مرة إلى مسألة التواطؤ المفروض).
3- ورقة الشعبية: رغم مسألة الإقناع – الآنفة الذكر- التي تتحدث عنها استطلاعات الرأي، إلا أنه بإمكان الديمقراطيين استغلال مسألتين: الأولى أن نسبة شعبية ترامب في المجمل (أي أداؤه في كل القضايا مجتمعة) لم تتغير منذ انتخابه عام 2016 أي نسبة الـ 46%… فقط في الاقتصاد – كقضية منفردة – وصلت هذه النسبة إلى 51% .. يُضاف إلى ما سبق انخفاض شعبيته بين أوساط العمال.. أما المسألة الثانية فتتعلق بنظام الحصص الانتخابية، بمعنى أنه من أجل أن يفوز ترامب بولاية ثانية – وبسبب تلك النسب الشعبية – سيكون مُضطراً للتركيز على الفوز بـ«الولايات ذات الأغلبية في نظام الحصص الانتخابية» مثل فلوريدا وأوهايو، وهذه الولايات في مجلمها لا تُظهر تأييداً لترامب، أو أن تأييدها له شهد انخفاضاً مؤثراً.. وفي المجمل يُعبر مستشارو ترامب عن قلق متزايد حيال تراجع شعبية ترامب بين النساء وفي الضواحي.
أوراق متأرجحة
ويبقى سؤال: ما بين أوراق ترامب وأوراق خصومه الديمقراطيين، وبغض النظر أيها أكثر.. هل من أوراق متأرجحة يمكن أن تلعب دوراً مؤثراً، في فترة العام ونصف العام المتبقية على موعد الانتخابات، ولمصلحة من؟
فعلياً.. لا أوراق، وهذه علامة فارقة في الانتخابات المقبلة.. ولكن بالإمكان الحديث عن مفاجآت محتملة، شرط أن تكون من العيار الثقيل لتحرف كامل الاتجاه. وما علينا إلا الانتظار.. والمراقبة، ولكل مرحلة حديث مختلف.

print