اجتمع علماء الكوكب «الأمّورين الشطّورين» من أجل زيادة فاعلية الجمادات في هذا الكوكب وجعلها ملائِمة واقعيّاً في عالم التقانات الحديثة لتسهيل حركة الناس والإسراع في إنجاز أعمالهم كسباً للراحة والوقت، فالزمن عندهم محسوبٌ بعدد الأنفاس ومن غير المعقول أن نضيّعه في سفاسِف الأمور الروتينية «العويصة» وهدر الطاقة الروحيّة للبشر.
ونحن هنا نعمل الشيء نفسه, فالاختراعات العلمية عندنا هي لتجعل الناس يسافرون عبر الزمن ويحلّقون في فضاءات بلاد العجائب والخيال العلميّ, وأكبر دليل هو الصرافات الآلية, فهي وُضِعتْ خصّيصاً لتجعل الناس والموظفين والمتقاعدين بل والحوامل وستات البيوت يزدادون شباباً؛ أي نعم… أفلا ترونهم يركضون من صرّاف معطّل إلى آخر خارج الخدمة إلى ثالث أصبح مثل «الحمّام المقطوعة ميتو» إلى رابع هو أصلاً ليس إلا كومة حجارة مرصوفة فوق بعضها كما لو أنهم وضعوه نكايةً بالناس!.
وإلا لماذا دائماً نرى تلك الصرافات الآلية ميتة ومتخشّبة لا «خشخشة» بكرات فيها ولا «كركرة دولارات»؟! ففي أوّل أسبوع من الشهر إيّاك والاقتراب خوفاً من هول الجموع الغفيرة المستميتة في القبض على الراتب الملعون ابن الملعون. وفي آخر الشهر حبّذا لو لم تذهب لترى عذابات المتقاعدين وقهرهم و«الشنططة» المعتبرة التي يوضعون فيها بعد كل هذا العمر. وإن انطفأت الكهرباء تنطفئ الآلة البغيضة, وفي أيام الجُمَع والعطل الرسمية يبدو أن الصرافات تأخذ إجازة وتذهب إلى المصرِف لترتاح, وبعد ساعات الدوام الرسمي تذهب لتأخذ قيلولة الظهيرة، وفي الليل يصعب جداً أن تجدها مُفعّلة، خوفاً من ماذا؟!… لا يعلم إلا الله.
ألم أقل لكم: إن الاختراعات عندنا خُلقت لتجعلنا أكثر سَفَراً عبر الزمن وصولاً إلى الثقوب السوداء التي ستبتلعنا… قريباً.

print