تتبجح بريطانيا في جلسة خاصة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي «بأنسنة» حضورها السياسي العالمي، وتتقدّم بمشروع قرار بشأن الوضع في سورية، الصورة الظاهرة في عنوانه تدّعي «الإنسانية» بفراهة وحذق ولباقة، فبريطانيا تدّعي «المسكنة والإنسانية والتعاطف» مع الأحداث الجارية في سورية، وتطالب بتجريم مَنْ استخدم الأسلحة الكيميائية فيها!!.
بلغة وجدانية مصطنعة أو متكلفة لنصّ مسرحية هزلية؛ تحاول بريطانيا لعب دور سياسي على الساحة الدولية، وهي التي تتسم سياستها الخارجية بأفعال «براغماتية» تتفاعل مع سير الأحداث بطريقة آنية، لذلك وافق على حين مصلحة مجلسا «اللوردات والعموم» على الحضور البريطاني في لاهاي كلاعب «إنساني»، فالخيارات المركزية التي تحكم السياسة البريطانية استشعرت أن رصيدها في بنية النظام الدولي تراجع، وأن مصالحها باتت مهدّدة، متأثرة بالتحوّلات السياسية المتباينة، التي تحدّدها جملة تفاعلات خارجة عن حدود المسارات المتفق عليها سابقاً في مضمار اللعب الدولي، وأن الولايات المتحدة الأمريكية تجتهد في استراتيجيتها لتهميش الدور الأوروبي عموماً والبريطاني خاصة، لذلك كان لابدّ –براغماتياً- من الاستدارة شرقاً، فالصندوق الأسود لبنية النظام العالمي يشي بظهور قوى كبرى منافسة حلّت محلّها في سياق تفاعلات تغيير معالم السياسة العالمية، فما كان من لندن إلا اللجوء إلى حجة إنسانية، وهي الهاربة من ساحة شاركت فيها بارتكاب الجرائم والانتهاكات اللاشرعية، ووجّهت فيها ضربات ناريّة ضدّ أهداف مدنيّة، أسفرت عن عشرات الضحايا، وتدمير البنى التحتية.
فكيف يمكن لمن ارتكب الجرائم والمجازر، وهو طرف مشارك في العدوان على سورية تحت غطاء «التحالف الدولي» غير الشرعي، أن يتقدّم بمشروعات قانونية في ظل منظمات متعدّدة الأطراف مسيّسة، وليست سوى أدوات في يد بعض القوى العظمى، يحرّكها ويعقد مؤتمراتها وضع راهن بإملاءات ذات غايات وأبعاد مشبوهة، متأثرة بنفوذ تلك القوى العظمى لبلورة الصراع في الساحة العالمية، وأفغانستان والعراق في العقد الماضي خير صورة عن دور معظم منظمات الأمم المتحدة المتحيّز للولايات المتحدة الأمريكية، والصور تؤكد المؤكّد بأن دورها لم ولن يكون إلا لمصلحة الأزمات العالمية.
واليوم، في سورية، تتجرأ منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، البعيدة كل البعد عن الاستقلالية والحياد على فتح ملفات مدفوعة الثمن، باطلة البراهين والأدلّة، لإثارة ضجيج هدفه تحريك الرأي العام العالمي ضد الدولة السورية من خلال ملف ملفق يصرّون على فتحه كلما استشعروا بقوة النصر السوري ليكون الشماعة لفرض إرادتهم، وأداة الضغط والابتزاز السياسية.
سورية التي تخلّصت من السلاح الكيميائي، أوفت منذ سنوات بالتزامها بخصوص الملف وتجاه المنظمة التي اعترفت هي ذاتها بذلك، تقوم بريطانيا اليوم، هي وغيرها من الدول المشاركة بسفك الدماء السورية، وبكل فجورها، بارتداء قناع الطيبة الملوث بدماء الأبرياء، باتهام سورية «باستخدام» السلاح الكيميائي تحت حجج واهية مصدرها شركاؤهم على الأرض من التنظيمات الإرهابية، وتقارير ما يسمى «الخوذ البيضاء» التي لم تكن إلا رديفاً، بل تشكيلاً مسلّحاً لا يقلّ دوره خطورة عن دور أي تنظيم إرهابي حارب الدولة السورية.

m.albairak@gmail.com

print