آخر تحديث: 2019-11-20 09:44:12
شريط الأخبار

«مئة عام من العزلة» إلى الشاشة

التصنيفات: ثقافة وفن

لطالما قاوم غابرييل غارسيا ماركيز(1927- 2014) فكرة تحويل تحفته الروائية «مئة عام من العزلة» (1967) إلى السينما أو التلفزيون، نظراً لثراء مناخاتها الجمالية وتعدّد شخصياتها، إضافة إلى صعوبة تأطيرها بصرياً، إلا أن ورثته قرروا أخيراً الموافقة على بيع حقوق الرواية لمصلحة شركة «نيتفليكس» لتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني ناطق بالإسبانية. الرواية التي كُتبت قبل نصف قرن، كانت إحدى أيقونات السرد الروائي في العالم، ومثالاً فريداً في تصدير الواقعية السحرية إلى نحو أربعين لغة عالمية.
صعوبة الرواية، لم تمنع القراء من متابعتها، واكتشاف سحرها الخفي، وقدرة ماركيز على إعادة بناء قريته الكولومبية «ماكوندو» بسلالاتها المتعددة والمتشابكة على مدى قرنٍ كامل، منذ أن أسسها بطريركها الأول خوسيه أركاديو بوينديا، لتتناسل الأحداث والأجيال خارج عزلتها التاريخية، إذ بنى ماركيز سردياته على نحوٍ دائري ينطوي على مهارة استثنائية في بناء قصص حب غرائبية، ووقائع تتكشّف عن أرواح بشر تائهين في لجة العاصفة والمصائر المجهولة. قرن كامل من التيه نسجه ماركيز بمغزلٍ سحري، ماجعل شخصياته تعيش بيننا كما لو أنها حقيقية : أورليانو، أركايدو، بوينديا، ميلكيادس، الجدّة أورسولا، وصولاً إلى أورليانو الحفيد الذي سيتمكن من فكّ شفرة الأبيات الشعرية، ويفهم في اللحظة الأخيرة، معنى تلك النبوءة الغامضة، قبل هبوب الرياح المشؤومة التي قضت على آخر السلالة لتدمّر القرية كلها.
ليست الواقعية السحرية إذاً، وعاءً أسطورياً أو خرافياً لمجازفات الروائي التخييلية، بقدر ما هي حقيقة ملموسة تفرزها تناقضات الحياة في أمريكا اللاتينية، إذ تتناوب المعجزات والعجائب في فضاء واحد. لذلك لن نفاجأ كيف طارت «ريميدوس» الجميلة في الملاءات إلى السماء. عمل ماركيز ببسالة على فضح تاريخ الحروب و«الديكتاتوريات» في القارة المشبعة بالأسطورة والأبطال والطغاة، القارة التي لم تحظَ ببرهة طمأنينة نتيجة العنف والمظالم، فعاشت عزلة قسرية، إلى أن كسرت قشرة البيضة بصناعة الجمال، لجعل الحياة معقولة. كما تبرز ثيمة أخرى في أعماله هي تمجيد الحب، فهو يرى أنّ الإنسانية قد استنفدت احتياطها من الحبّ الشهواني منذ حقبة الستينيات، وقد آن الأوان للالتفات جدياً إلى قوة المشاعر وخزّان الرومانسية، وإلا ما تفسير عودة روايات الحب إلى مكان الصدارة في المبيعات؟ الحروب والعنف والعزلة، فرضت نصاً آخر يعيد الاعتبار إلى معجم العشق، وها هو يهتف في إحدى مقالاته «لقد كنت مؤمناً على الدوام بأنّ الحب قادر على إنقاذ الجنس البشري من الدمار وهذه العلائم التي تبدو ارتداداً إلى الوراء هي على العكس من ذلك تماماً في الحقيقة: إنها أنوار أمل».
هل هي مجازفة بتحويل هذه الرواية الثقيلة والدسمة إلى الشاشة، أم سنقع على سحرٍ مماثل لما هو مكتوب؟ على الأرجح ستعيش الشخصيات حياةً أخرى خارج عزلتها، كما فعلت شخصياته في روايتيه اللتين اقتبستهما السينما قبلاً: «قصة موت معلن»، و«الحب في زمن الكوليرا».

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed