آخر تحديث: 2019-11-14 04:32:21
شريط الأخبار

..وكيف يبالي بالملابسِ مَن للمجدِ لابسُ ؟!

التصنيفات: ثقافة وفن

المظهر الحسن واحدٌ من المظاهر الإنسانية التي تتقاطع مع الرقيّ المتأصل لدى من يكون مظهره نظيفاً أنيقاً وهذا ربما يدلُّ على ذوق لديه وخُلق ، وينسجم ذلك مع ترتيب ونظام حياتي جميل ومحبب، وهذا عادةً  ما يلاقي ارتياحاً واستحساناً لدى الآخرين ، ولكنَّ المبالغة في ذلك والتفرّغ والانشغال إلى درجة انتقاء الأثواب المزركشة أو الفخمة والمباهاة والمغالاة اعتقاداً بأن ذلك يرفع من شأن صاحبها لدى الآخرين ، أمرٌ مختلف تماماً لا يدلّ إلّا على السطحية والجهل …لأن المظاهر لا تغني عن المضامين ، ولا تعبر عنها أو تغير فيها  بأي حالٍ من الأحوال، فما رأيُ أهل الأدب والحكمة في ذلك ؟:

يبدي الشاعر صفيّ الدين الحلي عجبه وسخريته ممن يتباهون بأثوابهم المزهّاة ، والذين يرون أنها ثياب شرفٍ يتميزون بها عن غيرهم ، ولا يراها الشاعر إلّا غطاءٍ سطحياً مدبّجاً لمضمون خاوٍ:

أتشمخُ أنْ كساك الدهرُ ثوباً     شرفتَ به ، ولم تكُ بالشريفِ؟

فكم قد عاينَتْ عينايَ ستراً       من الديباج حطَّ على كنيفِ ؟!

أما ابن خاتمة فيصور المباهاة والمغالاة في التأنق بما يرتديه المرء من لباسٍ شكلي زائف ، داعياً إيّاه أن يرتدي ثوباً آخر مختلفاً هو رداءُ خشية الله ، وقد جاء بمثالٍ حيٍّ ، :

دعِ التأنّق في لبس لثيابِ وكُن        لله لابسَ ثوبِ الخوفِ والندمِ

لو كان للمرءِ في أثوابهِ شرفٌ       ما كان يخلعُ أسناهُنّ في الحرم ِ

وفي مقاربةٍ فطنة يشير أبو العلاء إلى أنه لو كان شرف الفتى في مظاهر لبسه وبريقه ولمعانه الخارجي لكان اقتصر فضلُ السيف على نوعية وشكل غمده الذي يلبسه ، يقول:

وإن كان في لبسِ الفتى شرفٌ له       فما السيفُ إلّا غمدُهُ والحمائلُ

وبطريقةٍ ساخرة وشديدة الوقع على من يأخذ المظاهر وتأخذه ، يقول إلياس فرحات:

قلْ لمن يحسبُ الثيابَ على المرْ ءِ            تعلي المقامَ ، أن يتأدَّبْ

فجوادٌ من غير سرجٍ لخيرٌ                 من حمارٍ ، عليه سرجٌ مُذهّبْ

أما الأبيوردي فيشير إلى البون الشاسع والمفارقة الكبيرة بين الشكل والجوهر ،،،لأنّ من يرتدي حللَ المجد ويتجلل بها يكون قد سما وترفّع عن الاهتمام بالمظاهر وزركشاتها ، وكيف له أن يبالي بمظهر وشكل لباسه وقد تعلّق بذيول الشهب والمعالي:

وكيف يبالي بالملابسِ ساحبٌ        ذيولَ المعالي ، وهو للمجدِ لابس ُ ؟!

ومن جميل ماقيل في ذلك من أدب الحكمة الأجمل والأجدى ، قولُ أبي الطيب أحمد بن الحسين :

لايعجبَنَّ مضيماً حُسْنُ بزَّتِهِ          وهل يروقُ دفيناً جودةُ الكفن ِ ؟؟ !!

 

 

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed