حين بادر لفيف من المثقفين الفرنسيين إلى إهداء مجموعة من الكتب تتضمن أعمالاً لميشيل فوكو إلى الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، لم يكن الأمر يتعلق بالسخرية بل هي رسالة أنّ الاستراتيجيا السياسية لا يمكن بناؤها خارج الحقائق الفلسفية. هناك علاقة وثيقة بين هذا التراكم والاستراتيجيا على أساسه يعلن باسكال فانسون أنّ هذا التأثير يُلزمنا بالنظر في أعمال مفكرين كُثر مثل رايمون آرون وتوماس شيلينغ وميشيل فوكو.. الخ، وأنّ الاستراتيجيا اليوم تنهل من كل هذا التراكم لإعادة تأهيل نفسها.
لكن الاستراتيجيا في معظم العالم العربي ما زالت تنأى بنفسها عن كل تراث فكري نظراً للانحدار الذي بلغته السياسة والخلط الكبير بين السياسة والاستراتيجيا. ما زالت الرغبة لديّ جامحة في تحويل السياسة إلى علم، وليس المقصود منها: علم السياسة (science po) فهذا أمر قائم، لكن الغرض منها أن تصبح جزءاً من الفيزياء تجري عليها قواعدها وحتى مذاهبها المختلفة. كيف يتسنّى فهم مسار وتموضع القوى إن كنا سنجهل قواعد الميكانيكا.. كيف نستطيع فهم غائصات السياسة القوية وآثارها غير المباشرة وتسارعها وحساباتها وقياساتها الممكنة وغير الممكنة ومجال ومستوى ممارستها إن كنا لن نقبض على ميكروفيزياء القوة في المسرح الدولي؟.. لا شك سيتيه بنا التبسيط إلى منتهى ما تطلبه عقول دهماء ما زال يبهرها البرق والرعد في المسرح الدولي، ويا لها من قدرة أكروباتية على التّنبّؤ!.
يقتضي التحليل السياسي فضلاً عن استيعاب قواعد ميكانيكا وميكروفيزياء القوة حدساً رياضياً، وهو حدس إما يكون أو لا يكون، وحسب بوانكاريه إما يولد المرء رياضياً وإما لا يولد رياضياً. بل وإن أمعنا النظر فيما ذهب إليه كبير رياضيي عصره فإنّ الحدس منحى الهندسة لا التحليل. وهنا يمكن القول كيف أكون حدسياً وتحليلياً في الوقت نفسه؟.. أعتقد أنّ الحدس يسبق التحليل فلا تزاحم هنا: احدس أولاً وامض في التحليل واختبر حدسك، لأنّ الحدس الخاطئ هو من لم يزود بحدس صحيح ويسعى لافتعاله أو حدس الحدّاس إن صح التعبير- قياساً على قطع القطاع – الذي يكون الحدس بديله النهائي من دون أن يلتفت في أي شرط من الشروط وفي أي مستوى من المستويات ينبت هذا الحدس، لنقل على طريقة «الفيمياء»: هل بناء على الحسّ (المتهافت) أم الكاتيغوريا (مذهب المقولات).. لأنّ السياسة في حدّ ذاتها مجال للفوضى، والتنبؤ بها هو شأن «عويص» يتطلب نزعة كوانتية تقول: افهم الكبرى والإطار العام واترك حدسك يلاحقه في كل سماء ممكنة. وهذا ما نفعله: أيتها الأحداث اسلكي كلّ مسلك ممكن ستجدي حدسنا ماسكاً بذيلك.
في التحليل السياسي، نعتمد على أخبار موجهة، يبدأ التحليل من وعي غير خالص بالحدث، ثم أياً كان انتظام التحليل فهو لن يكون صحيحاً لأنّ تدفق الأخبار ملوّث من خلال مروره بقنوات «صرف صحّي» مخترقة. ولأنّ التحليل السياسي أصبح اختصاصاً ينأى عن كلّ الحقول المعرفية التي ترعى فتوقه وتضمد جروحه النابعة من التبسيط القاتل، تبدو هنا المفاهيم والقواعد ضرورية لاستقرار العلم وشيء من الثورة على النماذج بحنكة من ينتج البديل لاستكمال نظام المعنى.
أن تكون محللاً سياسياً يعني أن تدرك معقول المعرفة وجنونها، تترصد الاحتمال وتنصت إلى هسيسه وتدرك أنّ دوران العقل حول الأشياء لن يكون إلاّ بمثل دوران الإلكترون حول نواة الذرة دوراناً في اتجاهات مختلفة وفي نسق متين يضمنه الفراغ.. وتبدو السياسة أكثر من غيرها- مادامت مرتبطة بالحياة – أكثر الحقول حاجة إلى الحدس.
لقد أدمن المتلقي العربي تحليلات سياسية يلعب فيها «الصرف الصحّي» وتسرباته دوراً كبيراً، بات جهاز التّلقي ملوّثاً، وإن شئت بلغة الفقهاء فقد بات جهاز التلقي لدى الجمهور العربي «جلاّلاً»، ويحتاج – في عملية استبراء منطقي وصحي وشرعي – إلى أن يرعى الخبر الصحيح في بيئة نظيفة لما يقارب جيلين على الأقلّ، وهذا انتقال صعب. في هذه البيئة الملوّثة كل شيء ملوثّ، بل المعركة فيه تستند إلى عنصر التلوّث نفسه، وطبيعي أن يندحر نظام القيم، لأنّ المعركة تتمترّس بعوامل التّلوّث: تلوث الخطاب، أدوات العمل، الوسائط، البيئة الحاضنة، تلوث في البرّ والبحر والجوّ. في البيئة الملوّثة لا تنقلب القيم فقط بل يصبح عاليها سافلها، تصبح الحقيقة تحت الأقدام والنذالة فوق الرؤوس، تختلط الأوراق حتى تصبح الحقيقة رأياً محضاً، ويصبح الرّأي شيئاً ما شبيها بالنُّباح.

*كاتب من المغرب

طباعة
عدد القراءات: 1