خضعت هونغ كونغ للنفوذ الصيني منذ عام 220 ق.م، وحتى عام 1839 عندما اندلعت «حرب الأفيون» بين الصين وبريطانيا التي انتهت بهزيمة الصين واستيلاء بريطانيا على أجزاء من هونغ كونغ بموجب معاهدة نانجينغ. استمرت الحرب وخسرت الصين جزيرة كولون في عام 1860 واضطرت في عام 1898 إلى توقيع اتفاقية تأجير بقية أراضي هونغ كونغ إلى بريطانيا مدة 99 عاماً. احتلت اليابان الجزيرة عام 1941 لكنها ما لبثت أن عادت تحت السيطرة البريطانية عام 1945 بعد هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية.
في عام 1997 انتهت اتفاقية الإيجار واستعادت الصين هونغ كونغ بعد محادثات مُضنية مع بريطانيا، تم بنتيجتها الاتفاق على أن تكون هونغ كونغ منطقة إدارية خاصة ضمن جمهورية الصين الشعبية، وهو ما عُرف لاحقاً بدولة واحدة بنظامين، على أن يستمر هذا النظام 50 سنة، أي حتى عام 2047.
استمرت التدخلات الغربية في هونغ كونغ، وبلغت ذروتها عام 2014 عندما خرجت مظاهرات حاشدة إلى الشارع تطالب بالمزيد من «الديمقراطية» وقد حظيت «ثورة المظلات» كما أطلق عليها الإعلام الغربي، بدعم واسع من الدوائر الغربية، وتم تصويرها على أنها جزء من «موجة المطالبة بالديمقراطية» التي انطلقت عام 2011 وسُميت «الربيع العربي».
رفعت «الثورة» شعار «احتلوا مركز المدينة بالحب والسلام» وعقد الإعلام الغربي المقارنات بين التجمعات التي حاولت الوصول إلى مركز المدينة، وتلك التي تجمعت في ميدان التحرير في مصر، وحركة «احتلوا وول ستريت» في نيويورك. اختارت الصين ضبط النفس، وتعاملت مع المتظاهرين باستعمال خراطيم المياه، ولم تقع إصابات خطرة وانتهت الحركة من دون تحقيق إنجاز يذكر.
في عام 2016 وإثر الانتخابات البرلمانية التي مكّنت أحزاباً وقوى سياسية انفصالية من الوصول إلى البرلمان، اندلعت موجة جديدة من المظاهرات، لكنها في هذه المرة كانت مؤيدة للصين، ومضادة للانفصال عنها. جاءت المظاهرات بعد قيام نائبين من حزب «تطلعات الشباب» هما ياو واي تشنغ، وسيكستوس باجيو ليونغ، برفع لافتات كُتب عليها «هونغ كونغ ليست الصين» أثناء توجههما لأداء اليمين القانونية. قامت الصين بإسقاط عضوية النائبين وتحويلهما إلى القضاء.
في عام 2017 وبشكل متزامن مع استفتاء كاتالونيا للانفصال عن إسبانيا، خرج نحو خمسة آلاف متظاهر يطالبون بتحديد مصير الجزيرة بعد العام 2047 ورفع البعض لافتات تطالب صراحة بالانفصال عن الصين.
عادت الاحتجاجات نفسها إلى الشارع عشية بداية عام 2019 وهي الاحتجاجات التي لقيت دعماً غربياً صريحاً من الولايات المتحدة وبريطانيا التي رأت أن الاحتجاجات المطالبة «بالديمقراطية» تأتي، حسب زعمها، نتيجة «إجراءات تعمل على تقويض الحريات»، بما فيها «حظر حزب سياسي مؤيد للانفصال، وطرد صحفي غربي، ومنع مؤيدي الاستقلال من خوض الانتخابات المحلية».
في أيار الماضي، عاد المتظاهرون إلى الشوارع، إثر طرح قانون يسمح بتسليم المطلوبين والمجرمين الفارين إلى الصين للنقاش تحت قبة البرلمان. حاول المتظاهرون اقتحام مبنى الحكومة ومبنى البرلمان، لكن قوات الأمن منعتهم. حظيت الموجة الأخيرة من المظاهرات بدعم غربي أكثر وضوحاً، فقد صرح ترامب أن المتظاهرين الذين يحاولون اقتحام مبنى البرلمان «ينشدون الحرية» وصدرت بيانات مؤيدة للاحتجاجات من بريطانيا والاتحاد الأوروبي، وبلغ الأمر ببرلمانيين أمريكيين إلى طرح مشروع قانون بعنوان «قانون حقوق الإنسان والديمقراطية في هونغ كونغ»، كما استعادت الصحافة الغربية، والاتحاد الأوروبي، أحداث ساحة تيان انمين عام 1989 على لسان منسقة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فردريكا موغريني التي أعلنت أن «أوروبا ما زالت تبكي الأحداث»، وشاطرها «الحزن» وزير الخارجية الأمريكية مارك بومبيو!!
وقد أصدرت الخارجية الصينية بياناً غاضباً جاء فيه: عندما تشهد بلادكم تظاهرات واسعة النطاق، لا تتردد الشرطة في نشر مركبات مضادة للمتفجرات وخراطيم مياه وهراوات وغاز مسيل للدموع ورصاص مطاطي، ولكن لماذا تتساهلون تجاه المجرمين العنيفين في هونغ كونغ؟.. ورأت الخارجية أن الصين تعتقد أن الدول الأخرى تستخدم حقوق الإنسان غطاء للتدخل في الشؤون الداخلية للصين وهونغ كونغ، مشيرة إلى أنها تطالب الحكومات الأجنبية بـ«التوقف الفوري عن الأقوال والأفعال الخاطئة».
يرى الكثير من المراقبين أن ورقة حقوق الإنسان ليستا سوى سلاح آخر تستعمله الإدارة الأمريكية في سياق حربها التجارية مع الصين، وأن استعمال ورقة هونغ كونغ هدفه وضع الصين في موقف حرج، بما يصب في مصلحة الولايات المتحدة كما تقدّر إدارة ترامب، لكن الصين تبدو حتى هذه اللحظة مُمسكة بقوة بكل خيوط اللعبة الداخلية، وتقود سياسة خارجية اقتصادية متزنة، تساعدها على تجاوز الكثير من انعكاسات الحرب التجارية عليها.
السياسة الغربية إزاء الصين عرفناها جيداً في الوطن العربي، من خلال قضية فلسطين و«منطق» التقسيم، والنظر «بعين العطف» إلى أحلام الصهاينة المحتلين، وازددنا معرفة بها خلال السنوات الثماني الأخيرة، فورقتا «الديمقراطية وحقوق الإنسان» ليست سوى ذريعة وسلاح توجهه الرأسمالية نحو الدول ذات السيادة، التي تواجه الهيمنة الرأسمالية. وهذه الورقة تلعب الرأسمالية بها اليوم في شمال سورية بالحديث عما يسمى «مناطق إدارة ذاتية»، وفي إقليم كردستان، بهدف خلق أمر واقع يصبح المرجعية لأي مفاوضات مستقبلية.
لذلك علينا أن نبقى مفتوحي الأعين، وثابتين على مواقفنا الرافضة لكل مشروع مشبوه يهدف إلى أي شكل من أشكال التقسيم تحت أي ذريعة، وعلى كل مثقف وطني حر الوقوف خلف الموقف السوري الثابت من حيث ضرورة تحرير كل شبر من أراضي سورية، وطرد كل القوات الأجنبية الموجودة بشكل غير شرعي لأنها تعد قوات احتلال.

*كاتب من الأردن

print