آخر تحديث: 2020-02-17 02:06:27
شريط الأخبار

«منذر كم نقش» يواصل حلمه في مكانٍ آخر

التصنيفات: ثقافة وفن

رحل الفنان التشكيلي «منذر كم نقش» عن دنيانا بهدوء في مشفى بجنيف السويسرية، حيث لم يستطع أن يواصل أحلامه كما يشاء، فالهُزال الذي أصابه مؤخراً، أحاله إلى عكس كائناته الممتلئة بالضوء، لكن بالشفافية ذاتها، والجَمال عينه، وكأن رغبته في إعادة تصوير الكون تشكيلياً واهتمامه بالماء الأول، والطفولة الأولى، والغيمة الأولى، جعله متماهياً مع مفرداته، حتى بات معها روحاً واحدة لا تنفصل، فهو المثقَّف العضوي، وأحد أهم النحاتين السوريين الذين يتميزون بفهمهم الفني الخاص، ورؤيتهم العميقة، فهو من المؤمنين بأن الفن لا يكتمل من دون وعي شامل بالحياة، وفلسفة الكون، والاقتران بجماليات الطبيعة، وتثوير الفكر، وهو ما دفعه للتمسك بيقينه بأن العمل الفني حتى يكون نقياً يجب البدء فيه من الذاكرة الأولى، ومن الطفولة الأكثر طهراً، ومن الحلم بجميع كائناته التي تشبه الغيم، ثم تأتي الأشياء الثانية كاستعارات واعية حيناً، وغير واعية في أحيان أخرى، ومن دون ذلك لن يتحقق التوازن والتكامل الفني. كما آمن الفنان «كم نقش» منذ بداياته بأن كل أعماله الفنية ما هي إلا بحث عن توازنه الداخلي، الذي تجسَّد في معارضه المختلفة داخل سورية وخارجها، فهو القائل: «كنتُ قاسياً على نفسي حتى أصل إلى قناعة معينة تتناسب مع طموحاتي الفكرية.. أحب أن أقدم الأشياء بصدق، وهذا ليس سهلاً البتّة».
رحل الفنان «منذر» بعيداً عن دمشق التي لم يتخلَّ عنها طوال سنوات الحرب، برغم الدَّمار الذي أصاب مشغلَه، إذ واصل عمله النَّحتي ورسم لوحاته بكائناتها الفريدة في ورشات المركز الوطني للفنون البصرية الذي أقام له معرضاً استعادياً قلَّ نظيره في سورية وما حولها، إذ توزَّعت عوالم هذا الفنان الرائد على جميع جدران الصالة بأحجامها الكبيرة والصغيرة، بدراساته أيام الجامعة وسكيتشاته بألوان الفحم للطبيعة، وألوانه الشفيفة، حيث إن التوغل ضمن أعمال ذاك المعرض أحالنا مباشرةً إلى التساؤل عن المتغيرات والمنعطفات في مسيرته الفنية التي ناهزت نصف قرن، وأيضاً للبحث في المشتركات والثوابت التي جعلت لهذه التجربة الفنية كينونتها الخاصة، وأبعادها الجمالية الفريدة، حينها تلمَّسنا أن ما يجمعها أكثر بكثير مما يفرّقها، وكأننا أمام حلم فني مستمر على اختلاف تجليّاته، ووسائل التعبير عنه. فالأسئلة الوجودية والشواغل الفنية والبحث الجمالي واحد، يبدأ من ماهية المادة الأولية للكون، وفلسفة التَّشَكُّل، وصيرورة المَلْمَس، لدرجة تماهت فيها خطوطه وتكويناته بين النحت والتصوير، فالخطوط تتجاور بعضها إلى جانب بعض كنسيج متماسك برهافةٍ ونعومة باهرة، وعلى اختلاف أدواته سواء أكانت إزميلاً أم فرشاة أم قلم تلوين، ينتابنا الشعور ذاته بأن فكراً رقيقاً عميقاً هو ما يحرك هذه اليد، فَتنْحَتُ خَدَّاً أو ترسم غيمةً أو تُلوّنُ جَسَدَ أنثى، أو تلتقط أنفاس الريح بين الشّجر، أو تُراقب تشكُّلَ قطرة الماء في لُجّ هذا الكون الكبير.
المواءمة بين الحلم وإسقاطاته عبر العمل الفني، أو أسطرة الحلم، تأخذ هي الأخرى مساحةً كبيرة فيما اشتغل عليه «كم نقش»، لكن الحلم هنا ليس بمعنى «المنام» بل هو أسلوبية في التفكير ينقل من خلالها الفنان هواجسه التشكيلية إلى السطح الذي يشتغل عليه، سواء أكان صخرة أم ورقة أم قماشة. هنا تتكرر الرموز وتتكثّف الدلالات ويصبح من الصعب الفصل بين ما يبصره «كم نقش» بعين عقله، وما يبثّه في لوحاته ومنحوتاته، إذ يُبدع في تصوير الهيولى الأولى المتكوّنة من قطرة ماء، وعلاقتها كمادة سائلة مع صلابة الصخر، ونفوذيّة الزجاج وكتامة الحجر لتتعالق التناقضات لونياً وتتكوّن الأبعاد البصرية من تشابك نصف الدائرة مع المربع والمستطيل، وبين الجماد والمادة الحية، وكأننا أمام معادِلات بصرية لنظريّات التَّشكُّل، ومن هي المادة الأصل صاحبة السَّبق.
تستمر الأحلام تشكيلياً من خلال أجساد نساء مصنوعات من غيم الغسق، وأياديهن الممتدة كسحب من دخان، وصدورهن المُغطّاة برؤوس البجع.. عشتارات ورديات بعيون مغمضة أحياناً، وأخريات بعيون مفتوحة على المدى، وأصابع طويلة كمهدٍ وثير لطفل رضيع أو لطيور بيضاء… ليبقى أكثر ما جمع هذه اللوحات هو «قوة الدهشة» التي تُحقِّقها، وتحدَّث عنها مرة المُبدع الباقي «فاتح المدرس» بوصفها ما يجمع بين عالم الذاكرة وعالم الطبيعة، وهو ما ينقلنا في أعمال «كم نقش» من حالة التورُّط الجمالي إلى حالة من التفكير، في محاولة للكشف عن مكامن هذا الجمال وأسراره، إذ لا يكفي أمام هذه الإبداعات الفنية الوقوف على حساسية الخطوط، وسلاسة التجاور اللوني بين الوردي والسماوي والأبيض والرمادي، من دون الامتلاء بهواء الأسطورة المستمرة التي يخطها هذا الفنان ببهاء، حيث لا فضاء خارج اللوحة، وكل مستلزمات الخلق موجودة في الداخل، في العمق، في سبر الأغوار التعبيرية، والتقاط كثافة الكثافة، فإن كان الحلم تكثيفاً زمنياً للمشاعر المكبوتة، فإن العمل الفني هنا يأتي تكثيفاً للحلم، ومحاولةً لأسرِه في إطار، من دون إغلاق مجاله الحيوي في عين المتلقي وعقله، ولاسيما أن تحوير الأشكال يفتح أبواب التأويل والقراءات المختلفة لتلك الأحلام التي تختلط فيها الطبيعة مع الأم ضمن عطاء متبادل، يتكامل مع ما أنتجه الفنان «كم نقش» وكأنه يقول: إن كانت في البدء «الكتلة»، فإنني أستطيع أن أُطوِّع خطوطي وألواني في خدمتها، وحُلمي مستمر أُطلِق له العنان كطفلٍ مُتصالح مع ما تخطُّه يداه منذ زمن طويل.
والآن، بعد رحيل هذا المثقَّف النبيل، لا بد من أنه يواصل حلمه بطاقةٍ أكبر على احتمال عناء نحت الكتل الكبيرة، وتلوين الغيوم بمزيد من روحه البيضاء والمديدة في النور.

طباعة

التصنيفات: ثقافة وفن

Comments are closed