آخر تحديث: 2020-02-26 10:14:15
شريط الأخبار

«صفقة القرن» ربما لن تُعلن أبداً الأخطر في «ورشة المنامة» ليس علانية التطبيع فقط .. واشنطن تريد اختزال العرب كلّهم في «عرب التطبيع».. هكذا يريدون دفن فلسطين

التصنيفات: دراسات

الأخطر الذي تهمله كل التحليلات والتفسيرات عن «ورشة المنامة» – و«صفقة القرن»على نحو عام – هو أن الولايات المتحدة تريد اختزال العرب كلهم في «عرب التطبيع»..
عندما يخرج علينا غاريد كوشنر ليقول إن الخطوة الآتية ما بعد «ورشة المنامة» هي «وضع اللمسات الأخيرة على «صفقة القرن»على قاعدة البناء على ردود الفعل التي حصل عليها لجعلها ملموسة…».. وعندما يؤكد كوشنر أن «ورشة المنامة» حققت «نجاحاً هائلاً» وأن «الحضور» وجدوا خطته الاقتصادية «قوية وقابلة للتنفيذ» فهذا يعني أن الولايات المتحدة ستفرض «صفقتها» بحكم ردود فعل «العرب المختزلين» أي «الحضور» الذين تحدث عنهم كوشنر (ونستثني الأردني والمصري لأن له حديثاً آخر باعتباره ضمن المُستهدفين بالصفقة).
أيضاً.. عندما كانت الكاميرات تدور لتنقل وقائع الورشة، حيث «الأبيض» يتصدر ويحجز أغلب الكراسي.. وعندما تتحدث وسائل الإعلام عن عشرات اللقاءات بين إسرائيليين ومسؤولين عرب.. وعندما يتعمد الإعلام الغربي توصيف الورشة بـ «مؤتمر عربي- إسرائيلي» ويتحدث عن نجاح كوشنر في «جمع العرب وإسرائيل» فهذا هدف يصب – دعماً وترويجاً – في مصلحة المخطط الأمريكي بأن من حضر في المنامة هم «كل العرب».. وهاهم «كل العرب» يجلسون مع «إسرائيل».. وأن لا مشكلة سوى الفلسطينيين و.. كذلك إيران!
أن يتم تصوير الفلسطينيين على أنهم هم المشكلة، فهذا هو الهدف الثاني لإدارة ترامب التي تريد إيصال صورة مقلوبة إلى الرأي العام العالمي الذي ما زال معظمه يُناصر الفلسطينيين ونضالهم.. كان المطلوب من «ورشة المنامة» أن تظهر كـ«إعلان تخلٍ عربي» عن الفلسطينيين ما يدفعهم للإحباط والاستسلام، بينما ستستغل إدارة ترامب هذا الإعلان دولياً وأممياً «لمحو» فلسطين كوطن وهوية.. تريد إدارة ترامب تقزيم القضية الفلسطينية إلى مستوى «مشكلة»، من جهة.. و«مشكلة إنسانية» من جهة ثانية، ليتعامل معها العالم على هذا الأساس، ولتبرر الولايات المتحدة تركيزها على ما تسميه «الحل الاقتصادي» الذي تقزمه أيضاً بـ 50 مليار دولار (من جيوب العرب المختزلين) ستتوزع على ثلاث دول عربية، إلى جانب الفلسطينيين طبعاً، على مدى السنوات العشر المقبلة، أي إن نصيب كل طرف سيكون أقل بكثير مما تقدمه الولايات المتحدة لـ «إسرائيل» سنوياً من أموال وسلاح.. ومع ذلك، يتجراً كوشنر على وصف تلك الـ 50 مليار بـ «فرصة القرن» بينما يُنصت إليه «العرب المختزلون» أي عرب التطبيع من دون أن نستطيع تبين ردود فعل محددة، فالكاميرات لم تقترب من الوجوه كثيراً، لذلك يجب عليهم الإطناب – لاحقاً – في مديح «فرصة» كوشنر حتى يستطيع هذا الأخير الحديث عن ردود فعل «كل العرب» التي سيبني عليها «لمساته الأخيرة» (نهاية العام الماضي 2018 قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل 38 مليار دولار للسنوات العشر المقبلة ستخصص في معظمها للتسلح).
أما إيران، فلا بد من إبعادها بسحب ما يسمونه «ورقة فلسطين» القوية منها على قاعدة أن فلسطين قضية عربية فقط (وليست قضية العالم الإسلامي أيضاً) بينما «ورشة المنامة» نفسها عندما سمّت إيران «مشكلة»، كان هذا مديحاً وليس ذماً لها، وكأنها تقول: لولا دعم إيران للفلسطينيين لكانوا استسلموا وسلموا خصوصاً أن «العرب المختزلين» أعلنوا «نهاية الصراع مع إسرائيل» ليشعلوه عربياً – حروباً واضطرابات – فتصبح فلسطين قضية «العرب المختزلين فقط» ويصبح الترويج لـ«صفقة القرن»«مهمة عربية».. وهذا هو الهدف الثالث في المخطط الأمريكي، وعلى الأكيد، هناك أهداف أخرى لكننا نتطرق هنا لما ظهر علناً وفجّاً في «ورشة المنامة».. وما خفي أعظم.

إلى العام المقبل 2020 أجلت الولايات المتحدة إعلان «صفقة القرن»، بينما كان متوقعاً الإعلان عنها في تشرين الثاني المقبل على أبعد تقدير، أي بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في أيلول.. لكن التسريبات تتحدث باتجاه معاكس وتقول إن ترامب أرجأ إلى أجل غير مسمى الإعلان عن «الصفقة».
«المنامة».. طيّ «صفقة القرن»
مسوغات التأجيل – حتى الآن وحسب المُعلن – ترتبط بالانتخابات الإسرائيلية، لكن حقيقة الأمر هو أن الولايات المتحدة لن تعلن «الصفقة» حتى تتأكد من ترتيب وتحقيق كل المقتضيات التي تقود إلى «تصفية» القضية الفلسطينية، وعليه لا بد من إعطاء «ورشة المنامة» الوقت اللازم لترى واشنطن ما سيترتب عليها باعتبارها أول خروج رسمي علني لـ «عرب التطبيع» وواشنطن الآن بانتظار ردود الأفعال، لكن هذا الانتظار لا يعني التوقف عن إصدار قرارات جديدة ضمن «صفقة القرن».. فبعد قرار ترامب المتعلق بالقدس.. وقراره وقف تمويل «أونروا» وعدّ قضية اللاجئين منتهية بتوطينهم في دول اللجوء على أن يتكفل «عرب التطبيع» بكامل التكاليف.. وبعد حصول ترامب على «حلف عربي داعم لإسرائيل» ظهّرته «ورشة المنامة».. تتجه واشنطن حالياً لترتيب أمور الضفة الغربية على قاعدة ضم المستوطنات ليتم بعدها طرح خطة تكريس السيطرة الإسرائيلية على الضفة، وإذا ما كانت هناك دولة فلسطينية فستقام على قطاع غزة فقط.. إلا إذا قادت الضغوط الأمريكية إلى ضم أراض من دول مجاورة إلى هذه الدولة المفترضة.. وغني عن التذكير أن المستوطنات تجثم على أغلب أراضي الضفة، وإذا كانت «إسرائيل» ستضمها فهذا يعني أنها ستحتل كامل الضفة بينما «صفقة القرن»ستعمل على تحويل هذا الاحتلال إلى «شرعي»، من خلال قرار أممي ستفرضه الولايات المتحدة في حال نجحت في تمرير «صفقتها».
وعليه، فإن التأجيل المتكرر لـ«صفقة القرن» ما هو إلا محاولات أمريكية لكسب الوقت بهدف فرض مزيد من الوقائع على الأرض لمصلحة «إسرائيل».. وفي حقيقة الأمر، هو ليس تأجيلاً بل تنفيذ – خطوة خطوة – وفق سياسة استعمارية خبيثة تقوم على تجزيء القضية الفلسطينية، وتالياً تجزيء ردود الفعل الغاضبة، فلسطينياً وعربياً وإسلامياً، أي جعل هذه الردود تستهلك نفسها زمنياً وكذلك في القدرة على التحرك، لتصل إلى نقطة عقيمة يغدو فيها كل تحرك بلا جدوى، أي الاستسلام.. وهذا هدف واشنطن النهائي.
قد يكون هذا ما حدث، تجزيء القضية الفلسطينية وتجزيء ردود الفعل عليها منذ إعلان ترامب القدس «عاصمة لإسرائيل» نهاية الـ 2017.. وعليه، فإن المتوقع هو أن تستمر «صفقة القرن»كتسريبات إعلامية وصولاً إلى إعلان واشنطن انتفاء جدواها وأن من الأفضل طيّها، ولكن بعد ماذا؟.. بعد أن تكون إدارة ترامب حققت هدف «تصفية» القضية الفلسطينية.. هذا هو المخطط الأمريكي، علماً أن «صفقة القرن» مبنية في الأساس على محصلة ما أفرزته سنوات ما بعد اتفاق أوسلو 1993 وأخطرها الانقسام الفلسطيني المستمر منذ عام 2007، ثم «الربيع العربي» الذي ضرب مقتلاً في وحدة النظام الإقليمي العربي وقاد إلى تظهير التطبيع علناً بالصورة التي بدا عليها في «ورشة البحرين».. كـ«جائزة» وليس كجريمة بحق فلسطين والأمة.
لماذا «الاقتصادي» أولاً؟
المستغرب جداً في كل ما يتعلق بتأجيل «صفقة القرن» أن إدارة ترامب لا تزال تتذرع بأن «الشق السياسي معقد جداً ولا بد من تهيئة الظروف المناسبة له، لذلك يتم طرح الشق الاقتصادي باعتباره الأسهل».. وطبعاً لا يخفى أن الولايات المتحدة تستغل بأبشع الصور الوضع المعيشي للفلسطينيين وأزماتهم التي تتسع وتتعمق بفعل الاحتلال الإسرائيلي والقرارات الأمريكية الداعمة له بالمال والسلاح وبتغطية جرائمه دولياً.. إدارة ترامب تطرح الشق الاقتصادي أولاً ليس لأنه الأسهل بل لأنه أوسع مدى للابتزاز والمساومة.
أما ما يتعلق بالذريعة الأمريكية عن «صعوبة طرح الشق السياسي لأنه معقد».. فإن المستغرب جداً هنا أن فريقاً واسعاً ما زال يسوغ – بقصد أو بجهل – للإدارة الأمريكية ويقول إن الشق السياسي معقد فعلاً، لأنه متعلق بقضايا الحل النهائي: القدس، اللاجئون، المستوطنات، «الحدود»… متناسياً أن ثلاثاً من هذه القضايا أسقطتها إدارة ترامب.. أما مسألة «الحدود» فهذه أيضاً ستُسقطها بالضغوط على دول مجاورة معنية بها.. وتعتقد واشنطن أنها باتت مهمة سهلة ما بعد «ورشة البحرين». والسؤال: ما الخطوات المتوقعة ما بعد «ورشة المنامة»، وهل تنجح إدارة ترامب في تكريس تلك «الورشة» محطة فارقة في عملية «تصفية» القضية الفلسطينية كما كرستها بالنسبة لمسار التطبيع؟
ما بعد «الورشة»
لنعرض أولاً التحليلات والتسريبات التي تتركز بمجملها على أن إدارة ترامب ستصعّد ضغوطها وتهديداتها، على الجميع.. الذين مطلوب منهم دفع أموال (وأراض) أو الذين سيتلقون الأموال، سواء الفلسطينيون، أو تلك الدول العربية التي تريد الولايات المتحدة إجبارها على توطين اللاجئين وعلى الرضوخ لكل متطلبات الصفقة (فلسطينياً وعلى المستوى العربي) ألم يقل كوشنر غداة «ورشة البحرين» في مقابلة صحفية إن علينا تخيل – أي قبول – واقع جديد في الشرق الأوسط ؟
في كل الأحوال، هناك شبه إجماع تقريباً على أن «ورشة البحرين» كان هدفها تطبيعياً أكثر منه ترويجياً لخطة كوشنر الاقتصادية.. إدارة ترامب وجدت أنه حان الوقت لإخراج كامل عملية التطبيع إلى العلن بأطرافها وبالمستويات التي وصلت إليها، ولم تمانع هذه الأطراف، بل عرضت استضافة «حفل الإعلان».
الإعلام الغربي كان أول من تحدث في هذه النقطة تحديداً، مستعرضاً ما سماه تسويق الخديعة/الوهم، وأن الهدف من «ورشة المنامة» كان الجمع بين العرب و«إسرائيل» أمام الكاميرات وإظهاره كـ «تخلّ عربي» عن الشعب الفلسطيني بهدف مضاعفة إحباط الفلسطينيين وتيئيسهم ودفعهم للاستسلام والتنازل.
حتى الآن، لا يبدو أن هذا الهدف سيتحقق.. لكن إدارة ترامب ستواصل «البناء على الشيء مقتضاه» وبأقصى مستوى من الضغوط .. تهديدات ترامب خلال مؤتمر صحفي له على هامش قمة العشرين في أوساكا في اليابان السبت الماضي كانت واضحة جداً.. ترامب هدد بقطع كل الأموال عن الفلسطينيين إذا لم يقبلوا بـ«صفقة القرن» قائلاً:«عليهم قبولها وإلا سنرى ما سيحدث»!..
الفلسطيني هو القضية
أغلب التحليلات والتفسيرات تتجه نحو التشاؤم وكأن «صفقة القرن» قضاء وقدر، لكن أكثرها مدعاة للغصّة والغضب تلك التي تتحدث عن أن «ورشة المنامة فاشلة لأن المبلغ المعروض – أي الـ 50 مليار دولار– مبلغ هزيل وأن البعض كان ينتظر عرضاً أكبر»!.. ولكن من هم هؤلاء الـ «بعض»؟.. الفلسطينيون أم بعض الدول التي تجاورهم؟.. كيف بالإمكان طرح مثل هذه الأسئلة على مسامع شعب يناضل منذ أكثر من 70 عاماً لتحرير وطنه، ودفع – ولا يزال – مئات آلاف الشهداء في سبيله، فهل سيتوقف الآن؟.. لماذا تريد واشنطن و«العرب المختزلون» تكريس أكبر جريمة بحق الشعب الفلسطيني عبر الافتراء والكذب بأنه «شعب يعرض وطنه للبيع»!
مهما فعلوا وأياً كان الأمر وسيكون.. سيبقى الفلسطيني هو القضية، وما دامت فلسطين قضيته، وما دام محور المقاومة قائماً.. فإن «صفقة القرن» لن تمرّ حتى لو جمع ترامب وزبانيته كل مليارات الدنيا.

طباعة

التصنيفات: دراسات

Comments are closed