يبدو أنّ الديمقراطية أكبر من مغالطة صناديق الاقتراع.. هذه الأخيرة آخر آلية في مجتمع ديمقراطي وليست هي مفتاحه، بل في مغالطتها الاختزالية لا تفعل سوى إعادة إنتاج انحطاط الوعي السياسي وتحقيق التجلي المنطقي لتناقضات المشهد، والأخطر من ذلك تعزيز سلطة الغلبة والعصبية.
صناديق الاقتراع في البيئة المنحطة من حيث ثقافتها السياسية وتنميتها الاجتماعية هي ضامن لاستمرار روح العصبية السياسية ومفهوم الشوكة التي يحددها اقتصاد الريع – ولن يكون اقتصاد التخلف سوى ريعي في جوهره – فما يُحكى عن تزوير الانتخابات أو ما يُقال عن الانتخابات النزيهة كلها لها معان استثنائية في مجال التخلف السياسي، لأنّ التحريف واقع حتمي في هذا المشهد حتى قبل أن تفتح صناديق الاقتراع.. التزوير يبدأ في مستوى تزوير الوعي السياسي لدى الناخب من خلال السيطرة على العقول والأفكار والمصالح بشكل عام.. يصل الناخب إلى صناديق الاقتراع وكله مزوّر من الرأس حتى البطن، لا شيء هنا يتمّ بمعايير الجودة التي يجب أن تأخذ في الحسبان ثقافة الناخب، مصالحه، بيئته الاجتماعية، السياق التاريخي، مزاجه، بنية الأحزاب المتنافسة، حقوقه، آماله وهلم جرّا. من هنا، يصبح السؤال ملحّاً: عن أي صناديق اقتراع نتحدّث؟
ولعل الانزلاق المفهومي هنا وارد إذ تقع بعض التيارات في الخلط بين مخرجات صندوق الاقتراع والشرعية، فتعد أنّ فوزها في انتخابات ضمن سياق ملتبس سيمنحها الشرعية إلى الأبد، وأنّها حين تأتي إلى الحكم – بفارق مهمل في حساب الأغلبية – فهي تعيد توطين نفسها واستغلال نفوذها لتصبح مستمكنة في أي صناعة انتخابية قادمة، وتمسك بآليات تزييف الوعي والسيطرة على العقول بأدوات الغلبة التي يحققها التغلغل الممنهج في سائر القطاعات والجيوب.
الديمقراطية إذاً ثقافة، لكن الاختزال الذي يفرضه التخلف السياسي يجعل صناديق الاقتراع – وهي لا بدّ منها – عائقاً ضد إنجاز الديمقراطية الكاملة، فالحساب الأرتميتيقي « وهو علم خواص العدد» لعدد الأصوات في مجتمع الجوعى والنوكى والمهمشين والحرافيش والانتهازيين والوصوليين وأصحاب الصفقات وعبيد الحقول والظلاميين والإرهابيين والتكفيريين لا يمكن أن يعطينا الصورة الحقيقية للديمقراطية، وهو وضع يؤدّي إلى تكريس العدمية، إذ لا ديمقراطية من دون بنية تحتية لثقافتها تتجلّى في استيعاب اجتماعي واقتصادي أوسع، تعليم قويّ ..صحافة حرّة ومسؤولة غير مفيوزية ولا صفراء.. تحسيس ثقافي متقن. ففي بيئة التخلف والضياع والتيه والفوضى يصبح موسم الانتخابات فرصة للفرجة وإعادة إنتاج ثقافة «لافوار» السياسي.
وهنا لا شكّ في أنّ تشبّث «الإخوان» بهذا الاختزال في صناديق الاقتراع والاختباء خلف عنوان الديمقراطية التي حاربوها منذ أشربوا في قلوبهم فكرة الخلافة من دون تأصيل ليسا سوى أحلام يقظة رأينا كيف تحققت في مشاريع داعشية قبل أن يوحي لهم خطاب مؤسسة «راند» القطرية عن «الإسلاميزم» الديمقراطي على طريقة أردوغان فوجدوها مخرجاً تاريخياً لأنهم طُلاّب سلطة وتمكين.. وحيث كان «الإخوان» في زمن تراجع الأحزاب السياسية الجهة الأكثر تنظيماً بعد الدولة فإنّ النتيجة كانت واضحة منذ البداية. وهذه النجاحات ليست مؤشراً على شعبية ونفوذ بل هذه نتائج تضمنها قوة التنظيم، فجماعة «الإخوان» ليست جماعة عادية، بل هي مفصلة تفصيلاً على منهج الماسونية في نسقها الصاعد والنازل، وهي مدرسة لتخريج أفواج من الحاملين لهذا الفكر حتى حين يغادرون التنظيم.
مشكلة «الإخوان» – وخلافاً للماسون – أنهم دخلوا كتنظيم في الانتخابات بمنطق الأحزاب السياسية بينما ما لم يدركه «الإخوان» من تنظيم الماسون أنّ هذا الأخير يحافظ عن تنظيمه مستقلاً ولكن يمكن أن يعزز نفوذه داخل السياسة بطريقة غير مباشرة. فالماسون هم أيضا إخوان، يجتمعون على مبادئ محددة سلفاً، لكنهم من ناحية أخرى ينظّمون جلسات لتنمية التفكير والمتابعة، فالنقاش هناك مفتوح إلى أقصاه.
إنّ وعياً زائفاً ترتهن له الخيارات السياسية الانتخابية هو شكل من القُمامة توضع في صناديق ستكون بمنزلة حاويات لنفايات الوعي السياسي، وهو ما أسميه «ديمقراطية القُمامة»، لأنّ الوعي السياسي حين ينحدر إلى الأقصى سينتج الرداءة، وتصبح الأصوات نفايات في حاويات. ولعل هذا هو الوهم الكبير الذي عاشته بلاد عربية خلال السنوات الأخيرة وحين تقرّر بضغط خارجي أن تتسع البنية للقبول باحتواء تيار «الإخوان» في اللّعبة السياسية.. لكنهم في واقع الأمر كانوا رصاصة الرحمة التي أطلقت على الجسد السياسي وتقويض المعنى النبيل للشرعية والمشروعية كما نظّر لها آباء الفكر السياسي. نحن إذاً، في سياق غير واضح الملامح فيما يتعلّق بمستقبل الديمقراطية في المنطقة، وحركتنا في اتجاه الديمقراطية لها أكثر من وجه حينما ندخل بعض العوامل الخفية في تكوين العقل السياسي للناخب. يبدو الناخب هنا أداة غير مضمونة لقيام ديمقراطية حقيقية، بينما سائر البوليميك « أي الجدل» السياسي هنا يتحوّل إلى خداع، سنتكلّم اللغة ذاتها وسنستهلك المفاهيم ذاتها، ولكن لن نظفر بالمضمون نفسه.

*كاتب من المغرب

print