آخر تحديث: 2019-12-14 19:31:12
شريط الأخبار

بين «رامات ترامب» و«غلوبال هوك»

التصنيفات: رؤى عربية

قبل أيام وضع رئيس وزراء العدو الصهيوني حجر الأساس لأول مستوطنة صهيونية في الجولان السوري المحتل بعد إعلان ترامب حول الجولان.. أطلق نتنياهو على المستوطنة اسم «رامات ترامب» أي هضبة ترامب، اعترافاً بفضل هذا الأخير.
في اليوم نفسه، قرأت منشوراً لإعلامي مرموق، يقول إن عدم رد محور المقاومة على «رامات ترامب» يعني «عدم وجود محور ولا مقاومة»؟!
خلال أقل من أسبوع جاء رد محور المقاومة، مفاجئاً وصاعقاً، وأسقط الحرس الثوري الإيراني طائرة تجسس أمريكية من طراز «غلوبال هوك» وهي الأرقى تقنياً، والأعلى سعراً في أسطول التجسس الأمريكي.
قد يرى البعض أن الربط بين الحدثين عمل تعسفي، أو تحميل الحادث دلالات لم تكن مقصودة. يستدل هذا البعض بحقيقة أن دخول الطائرة الأمريكية المجال الجوي الإيراني منح إيران فرصة الرد، ولولا ذلك لمرت قضية «رامات ترامب» من دون رد حقيقي. وهكذا، فإن الحديث عن رد إيراني مقصود يبدو كلاماً مطلقاً على عواهنه.
في هذا الطرح منطقية سطحية، لكن المتعمق في المشهد لا بد من أن يلحظ حقيقتين؛ الأولى، إن أي فعل سياسي أو عسكري يصدر عن أي طرف من أطراف محور المقاومة، يتعلق بالصميم بجميع أطراف هذا المحور، لأن رد تحالف العدوان يمكن أن يطول أي طرف من أطراف محور المقاومة، وهو ما تلمح له بعض الدوائر الأمريكية من احتمال رد عسكري أمريكي محدود على ما تسميه «أهدافاً إيرانية منتقاة داخل الأراضي السورية».
الحقيقة الثانية، إن التصدي لطائرة التجسس الأمريكية، وإن كان رد فعل مباشراً على اختراق المجال الجوي الإيراني، لكنه يعكس قراراً إيرانياً مدعوماً من محور المقاومة بالتصدي لأي عدوان أمريكي، والاستعداد لتحمل تبعات الرد الأمريكي في أي مكان.
لا شك في أن كل عربي يحلم برؤية صاروخ يسقط على «رامات ترامب» أو أي مستوطنة صهيونية أو قاعدة للعدو على الأرض العربية، لكن اتساع رقعة المواجهة اليوم بين محور المقاومة والحلف الإمبريالي- الصهيوني– الرجعي العربي، يمنحنا فرصة الرد في أكثر من ساحة، وبشكل يُفاجئ العدو، وأي رد من محور المقاومة، سواء في صنعاء أو مضيق هرمز أو إدلب أو جنوب لبنان أو داخل فلسطين، يمثل أطراف هذا المحور كلها، وهو جزء من قرار المواجهة الذي نراه على الأرض كل يوم. يقول مدّعي الحِرص إن الرد الإيراني «متسرع وغير مدروس وقد يجر المنطقة إلى حرب شاملة تأكل الأخضر واليابس». ويقدم حجته بكلام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، من أن الحرب بين إيران والولايات المتحدة ستكون كارثة على المنطقة بأكملها.
بعيداً عن إخراج تصريح الرئيس الروسي عن سياقه الذي ينطوي على تحذير أمريكا من الانجرار باتجاه حماقة الحرب، فإننا نستطيع القول إن الرد الإيراني مدروس بحرفية سياسية عالية، ومبني على الاستفادة من الواقع الجيو-سياسي الذي شرحه بإسهاب المدير السابق للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.
فـ «إسرائيل» محوطة بـ200 ألف صاروخ مختلف المدى، وفي حال نشوب حرب فإنها ستتلقى أكثر من ألف صاروخ في اليوم، تأتي من سورية وإيران وجنوب لبنان وقطاع غزة، وهو أمر لا تستطيع «إسرائيل» احتماله أو التصدي له، كما إن استعادة الجيش العربي السوري إمكاناته القتالية وتطويرها خلال حرب استمرت أكثر من ثماني سنوات، وما وعد به السيد حسن نصر الله من إمكانية حشد مئة ألف مقاتل على حدود فلسطين الشمالية، كلها معطيات ستجعل أي حرب سابقة تبدو نزهة على الشاطئ بالمقارنة.
الكلام نفسه ينطبق على القوات الأمريكية وحلفائها في منطقة الخليج، بل إن الخطر أعظم. فإضافة إلى القوة الصاروخية الإيرانية، سوف تُستغل في المعركة إمكانات سلاحي الجو والبحرية الإيرانيين، إضافة إلى قدرة قوات الحرس الثوري على القيام بعمليات خاصة، وإنزالات على الضفة الأخرى من الخليج.
قد يبدو ترامب رجلاً أحمق لم يغادر عصر أفلام الكاوبوي، لكن إدارة الدولة الأمريكية لن تستجيب بسهولة لهذا الحمق. فقرار الحرب ليس في يد ترامب وحده، وقد أوضحت نانسي بيلوسي زعيمة الأغلبية الديمقراطية موقف الكونغرس الأمريكي من أن «أمريكا لا تريد الحرب». تبقى في يد الرئيس القدرة على اتخاذ القرار بشن عملية أو ضرية عسكرية محدودة، لكن الإدارة الأمريكية ستفكر ملياً قبل اللجوء إلى هذا الخيار بعد أن ثبتت جدية الموقف الإيراني بالتصدي.
من جانب آخر، تدرك إيران أن الولايات المتحدة مقبلة على انتخابات، وأن أي نجاح إيراني في تدمير أي من القطع البحرية الأمريكية، أو سقوط قتلى أمريكيين، وارتفاع أسعار النفط الناجم عن توقف الملاحة في الخليج.. كلها عوامل لا تصبّ في مصلحة ترامب، وليس خفياً أن ترامب يعاني الفشل تلو الآخر في سياسته الخارجية، فلا هو أخضع كوريا الديمقراطية، ولا أسقط مادورو في فنزويلا، وتسبب في حرب تجارية طاحنة مع الصين ستنعكس سلباً على الكثير من الصناعات الأمريكية، ولم يحقق ولو مكسباً ضئيلاً على الأرض في سورية. آخر ما يحتاجه ترامب هو فشل آخر يقدمه لخصومه. في زمن الانتخابات لا يخوض الرؤساء الأمريكيون إلا حرباً مضمونة النتائج، فيغزون بنما أو غرانادا، يقصفون صربيا أو العراق، لكنهم لا يخوضون حرباً حقيقية قد تحمل لهم المفاجآت.
برغم كل ذلك، يبقى احتمال الحرب قائماً، ولو كان ضئيلاً، فكل من ترامب ونتنياهو يواجهان تهديداً حقيقياً لاحتمال بقائهما في منصبيهما، كما إن الصواريخ اليمنية على مطار أبها ومحطات الكهرباء، و«تقرير كاملار» عن إعدام الخاشقجي، وضعت محمد بن سلمان في موقف لا يُحسد عليه، لذلك يمكن أن يلجأ هؤلاء مجتمعين إلى خيار الحرب لتفادي أزماتهم الداخلية.
برغم أن الحرب ستكون مكلفة ومدمرة، لكننا قد نكون بحاجة إليها، فالواقع العربي يشهد تراجعاً وإحباطاً شديدين، و(الربيع) الصهيوني أثخن الأمة، وأبعد الكثيرين من أبنائها عن الرؤية الصحيحة، فغلب القُطري على القومي، ومنطق الفرقة على الوحدة. مثل هذه الحرب، مع الأصيل وليس الوكيل، ستعيد الأمور إلى نصابها، فتعود البوصلة لتشير إلى العدو الحقيقي للأمة المتمثل بالإمبريالية والصهيونية، وستكون رصاصة واحدة أكثر بلاغةً من كل المسيرات والبيانات والمؤتمرات.
أما أولئك المشككون بمحور المقاومة، فأتمنى أن يكون الرد قد وصلهم، ليس بصاروخ «خورداد» فقط، ولكن بما قاله السيد وليد المعلم وسماحة السيد حسن نصر الله، من أن محور المقاومة هو سيد الوعد الصادق.

*كاتب من الأردن

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed