حرب اللاحرب.. هكذا تريدها وتديرها واشنطن، وتعتقد أنها الأمهر، فترد إيران بالمثل و«أحسن».
تعجز الولايات المتحدة عن خوض حرب ضد إيران.. وتعجز عن بناء حالة تؤدي إلى تفاوض معها (وفق شروط الهيمنة والتبعية).. تلتف الولايات المتحدة باتجاه افتعال حوادث مباشرة على قاعدة إحداث ضرر عالمي يقود إلى «خلق حالة خوف ورهاب عالمية من إيران» كما حذر وزير الدفاع الإيراني العميد أمير حاتمي.. لكن إيران – المستعدة دائماً – أوراقها كثيرة وكبيرة ومؤثرة، وواشنطن أكثر من قرأ ويقرأ في هذه الأوراق.
واشنطن«تتقدم» أكثر.. ترفع وتيرة الضغط والاستفزاز بهدف دفع إيران نحو «تخوم حرب» عسى أن تخطئ، لكن من يخطئ هو واشنطن.. لطالما أجادت إيران المبارزة على «تخوم الحرب» مع الولايات المتحدة وغيرها، ليس في القوة العسكرية فقط بل في السياسة والاقتصاد وفي التحالفات أيضاً.. خسرت واشنطن كل جولاتها مع إيران (بما في ذلك جولة الانسحاب من الاتفاق النووي).
«يزمجر» ترامب بالحرب، وسريعاً ما «يَكِنّ» (كحاله مع كوريا الديمقراطية وفنزويلا).. سرّب الإعلام الأمريكي أن إيران «كانت قاب قوسين من التعرض لهجوم»، لكن ترامب عَدَل عنه «فجأة».. هذا طبعاً قبل أن تتسع التسريبات لنعرف أن طلباً جديداً للتفاوض سبق التهديد بالهجوم، أرسله ترامب إلى طهران , ولكن عاد إليه بالرفض و«التحذير» فإيران «لا تفاوض تحت الضغط والتهديد».. ورغم أنه جرى نفي أمر الرسالة لاحقاً لكن ذلك لم يؤثر كثيراً في مسار الأحداث.
إذاً، لماذا تسريب «الهجوم» وهل كان هناك هجوم فعلاً؟
تدرك إدارة ترامب أنها لا تملك ترف شن حتى «نصف حرب» ضد إيران، لأن رد إيران لن يكون «نصف ردع» فقط .. ولواشنطن في إسقاط طائرتها المسيّرة الخميس الماضي خير دليل وأوضح رسالة.
تضاعف الولايات المتحدة عتادها وعديد قواتها في المنطقة، ثم تخرج وسائل الإعلام الأمريكية لتتحدث عن ذلك الهجوم «الذي كان وشيكاً» وتراجع عنه ترامب في اللحظة الأخيرة، كما تقول.. والسؤال: هل تريد واشنطن إيصال رسائل أن الحرب لا مفر منها؟
في اعتقادنا: لا.
لماذا؟
لأنها لا تستطيعها حتى لو أرادتها، هذا ليس قولنا أو قول الدول التي تدعم إيران وتساندها في وجه الغطرسة الأمريكية، بل هو قول الأغلبية في العالم، مسؤولين وخبراء ومحللين، بمن فيهم الأمريكيون.. إذاً ما العمل، وكيف سيخرج ترامب من حَرَج الموقف الذي أوصل نفسه وبلاده إليه، ولاسيما أن استمرار الزمجرة بالحرب بات ورقة محروقة في ظل أن ترامب تراجع أكثر من مرة، بل هو اضطر للتسويغ لإيران، كأن يقول إن الطائرة «اُسقطت عن طريق الخطأ».. وأن يقلل من أهمية الهجوم في بحر عُمان ويقول إنه محدود جداً، وإن تلك المنطقة غير مهمة استراتيجياً للولايات المتحدة.
إذاً، ما العمل؟
تحاول إدارة ترامب مقاربة الحرب ضد إيران من زاوية أخرى.. وبينما الجميع منشغل ببحث وعرض احتمالات الحرب واللاحرب.. لا أحد يتحدث عن التدويل.. تدويل الملاحة بحراً وبراً في هذه المنطقة (مضيق هرمز و بحر عمان).
واشنطن ليست فقط لا تستطيع خوض حرب ضد إيران، بل هي لا ترى مصلحة لها فيها، وإذا كان الحال كذلك، فلماذا-من وجهة نظرها- لا تقاربها من زاوية أخرى تحقق لها ما تريد.. وما تريده هو هذا الشريان الملاحي الأهم عالمياً، وليس بالضرورة أن تحصل عليه بالحرب.. عندما تفتعل واشنطن أحداثاً مباشرة على قاعدة «الضرر العالمي المباشر»، فهذا يعني أنها تحاول استدعاء تحرك دولي يقود إلى قرار دولي بتدويل مضيق هرمز تحديداً.. وفي اعتقادنا هذا ما تسعى إليه أكثر من الحرب.. وإذا لم تحصل على التدويل فإنها ستسعى – في اعتقادنا أيضاً – إلى التحريض باتجاه إجراءات دولية فردية، فتقوم كل دولة بـ «ترفيق» سفنها بقوات عسكرية بذريعة تأمين الحماية لها.. وسيندفع حلفاء واشنطن لفعل ذلك، وكانت بريطانيا أول المندفعين.. هذا قد يقود إلى صدام، وأي صدام سيقود إلى أزمة دولية، وهذا ما تسعى إليه إدارة ترامب.
مع ذلك، نحن، كغيرنا، لا نستبعد أي سيناريو، ففي لحظة ما، يمكن أن تنحرف البوصلة بالكامل في اتجاه الأخطر..

بدا مثيراً للسخرية.. وللشماتة، أن يستمر الحديث الأمريكي عن ذلك «الهجوم الوشيك» وعن المواقع الإيرانية التي كانت ستُستهدف، وكيف عدل ترامب عن الهجوم.. وكل هذه التفاصيل التي لم تنجح في تجميل الموقف الأمريكي والتخفيف من حَرَجه إزاء «أول هجوم إيراني ناجح» في مواجهة الولايات المتحدة، كما عنونت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية السبت الماضي في إشارة إلى إسقاط الطائرة الأمريكية المسيّرة «غلوبال هوك»، متحدثة عن حال الإرباك واللاانسجام اللذين تعيشهما إدارة ترامب وقادا إلى أن يظهر هذا الأخير في حالٍ يُرثى لها من التلعثم والتناقض في تفسير المجريات وتسويغها.
ما وراء الأكمة
عاد ترامب إلى حديث أنه لا يريد الحرب، ويتطلع إلى التفاوض، لتردّ إيران بالمثل، ولكن ليس وفق الشروط الأمريكية، وإذا ما أراد ترامب الحرب فإيران جاهزة ومستعدة وستنتصر، لذلك، يبدو أن إدارة ترامب ستسير في مسار التدويل مع مسار الضغوط والتهديدات، وهدفها أن يخدم كلاهما الآخر، فتكون مستفيدة في كل الحالات.. والسؤال: هل تنجح؟
حتى الآن لا يبدو النجاح متاحاً.. بريطانيا ما زالت الوحيدة التي أعلنت أنها بصدد إرسال قوات ترافق سفنها، من دون معرفة موعد التنفيذ.. بينما بقي إعلان عدد من شركات الطيران أنها بصدد تفادي التحليق فوق مضيق هرمز.. من دون تنفيذ أيضاً.
الولايات المتحدة أعلنت غير مرة أنها «تعمل على خطة لحماية الملاحة والتجارة العالمية في مضيق هرمز» لكنها لم تتلق بعد الصدى الذي تريده.. لماذا؟
1- لأنه، وعلى المستوى الدولي، وباستثناء الولايات المتحدة، ليست للدول الأخرى مشكلات أو أزمات مع إيران، بل هناك علاقات تعاون وجهود تقارب تكللت في السنوات الماضية بعدة اتفاقات أهمها الاتفاق النووي 2015، وتالياً ليست لهذه الدول مصلحة في خسارة إيران.. ولأن العالم كله بات يعرف الولايات المتحدة جيداً ويعرف نياتها المبيتة، وأغلبه متضرر اقتصادياً على نحو كبير من السياسات الأمريكية، لذلك، فإن عدداً مهماً من الدول يرفض السياسات الأمريكية ويتصدى لها مسانداً إيران، فيما دول أخرى – واقعة تحت الضغوط الأمريكية – تتحايل وتناور وتماطل إبعاداً لنفسها عن تنفيذ المطالب الأمريكية.
2- لأن الولايات المتحدة لا تنفك تفتح قنوات اتصال – سرية وعلنية – مع إيران، آخرها يابانية وقبلها سويسرية، وهذا وحده دليل على فشلها في استقطاب حالة دولية معادية لإيران وبما يقود إلى تدويل الملاحة في مضيق هرمز، وهذا بدوره ناتج عن حالة انكفاء أمريكي عالمي، تبدو واضحة جداً بفعل سياسات ترامب.
لا ثقة بالولايات المتحدة
3- لا ثقة بالولايات المتحدة.. الدول لن تُمَلّكَها ورقة هرمز «على بياض» لأنها لو نجحت في التدويل فهي ستكون المُهيمنة، وستستغل ذلك ضد الجميع لزيادة قوتها ونفوذها وتسلطها.. أما إيران فهي تعامل الجميع على قدم المساواة، أي وفق القانون الدولي الذي يحكم الممرات والمضائق والبحار العالمية، وهي لا تهدد بورقة هرمز ولا ترفعها إلا في وجه الولايات المتحدة عندما تهددها بالحرب والعدوان.
4- هناك رأي بدأ يسود بأن هدف الولايات المتحدة من كل هذا التصعيد ليس إيران فقط وتحديداً، هناك من يقول انظروا إلى ما بعد إيران، إلى الصين.. مؤخراً ظهرت تسريبات تقول إن إيران ترفض التعاون مع إدارة ترامب في استهداف الصين اقتصادياً وتجارياً.. الولايات المتحدة تستهدف كل قوة صاعدة: الصين، روسيا، اليابان، الهند.. الخ، والدول بدأت تسأل نفسها: لماذا نعادي هذه القوى التي تُعاملنا على قاعدة المصالح والمنافع المتبادلة، ونوالي الولايات المتحدة التي تنزع منّا المصالح والمنافع والهيبة والسيادة، ثم لماذا علينا الدوران إلى ما لا نهاية في فلك الحروب الأمريكية، ولا مصلحة لنا فيها، بينما نحن نستطيع بناء علاقات تعاون واحترام مع الكثير من الدول على أسس السلام والاستقرار؟
هكذا العالم يفكر.. تغير العالم في نظرته لنفسه وللولايات المتحدة، لكن الولايات المتحدة لم تتغير، لا في نظرتها لنفسها ولا في نظرتها للعالم.
الآن.. إذا كان الرأي الغالب هو أن إمكانية إقدام الولايات المتحدة على حرب مع إيران هي صفر بالمئة، فلماذا يستمر حديث الحرب، ولماذا لا تزال التحذيرات مستمرة من «كبسة زر» كارثية تقود فعلياً إلى هذه الحرب.. أو أن الولايات المتحدة ستجد نفسها مجبرة في نهاية المطاف على خوض هذه الحرب وتحمّل نتائجها أياً تكن، وإلا ستجد نفسها خارج المنطقة كلياً؟
خيارات الحرب
أولاً، يُخوّف المراقبون على الدوام من «الصقور» في إدارة ترامب الذين يدفعون باتجاه الحرب مدفوعين بتحريض صهيوني، ويُخوّفون من أن ترامب في لحظة غلواء وجهل قد يكبس ذلك الزر، أي زر الحماقة، فتقوم الحرب.
ثانياً، تريد إدارة ترامب جر «رِجْل» الصين إلى ميدان إيران.. صقور إدراة ترامب يرون أن حرب الولايات المتحدة يجب أن تكون مع الصين فهي التهديد الأكبر.. ولأن الولايات المتحدة شبه مهزومة حالياً في الحرب التجارية مع الصين، ولأنها ستُهزم كلياً في المرحلة المقبلة.. فلا بد من طرف ثالث.. وربما تعتقد الولايات المتحدة أن إيران «مناسبة لتكون إحدى أوراقها» في مواجهة الصين.. كيف؟ لننتظر الإجابة في الأيام المقبلة.
ثالثاً، يُقال إن التصعيد ضد إيران هو الوجه الآخر لـ «صفقة القرن» وتصفية القضية الفلسطينية.. وذلك عبر إشغال إيران التي تدافع بقوة عن الفلسطينيين، في ظل الحرائق المشتعلة عربياً وفي ظل اندفاع معظم الدول الخليجية نحو التطبيع مع العدو الإسرائيلي.. لكن هناك من يشكك في هذا العامل لنشوب الحرب، معتبراً أن الولايات المتحدة ستضغط فقط لإلهاء إيران وإشغالها بالتهديدات على أرضية الحوادث التي تقع.. وتالياً، فإن الوقت لن يطول كثيراً حتى نشهد حادثاً ملاحياً ثالثاً، وبعدها ستكون الصورة أوضح.. وإلى أين ستتجه الخيارات: تصعيد أم تفاوض؟

print