ما قبل إسقاط إيران لطائرة التجسس الأمريكية ليس كما بعدها.. بهذه العبارة يمكن تلخيص المشهد المقبل في سياق المواجهة الأمريكية- الإيرانية القائمة ومعها المشهد في الإقليم برمته، وما بينهما زعزعة مباشرة وصريحة للقوة الأمريكية وإثبات غياب أي استراتيجية لها في مواجهة إيران لينحصر الأمر أقله إلى الآن بجعجعة أمريكية فقط للتهويل وأملاً بمكاسب لو أمكن تحصيلها أساساً لما وصلت إيران لهذه المرحلة من التحدي والقوة.
..حشرت القوة الإيرانية المباغتة في نوعية وتوقيت الرد على الرعونة الأمريكية، واشنطن في الزاوية وأفرغت كل التهديدات والوعيد الأمريكي بحرب ضد إيران من مضمونها، وأُسقط في يد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خاضعاً للقوة الإيرانية بإقراره أخيراً في تصريحات لشبكة «إن بي سي» بأنه لا يريد الحرب، نافياً أن يكون قد بعث برسالة تحذير إلى طهران حول هجوم أمريكي وشيك.
التطورات التي شهدتها الأيام الماضية أفرزت حالاً من التناقض وعدم وضوح الرؤية الأمريكية للتعاطي مع حدث بحجم إسقاط الطائرة الذي كان صداه انقساماً حاداً بين من يدفع باتجاه حرب وبين من لا يريدها -ليس حرصاً على التفاهم والسلام- بقدر ما هو نتيجة حساب التكلفة والنتائج والتي على ما يبدو أن واشنطن تدرك أن تكلفتها قد تكون باهظة ولاسيما في أرواح جنودها، ومن جهة أخرى رفض ترامب للحرب يتعلق بالعامل الانتخابي الذي يأخذه بالحسبان، في ظل هذه التجاذبات الداخلية كان لابد من تبرير لعدم الرد بقول ترامب: (قررت إيقاف الضربات قبل موعدها بـ10 دقائق بعدما علمت أنها قد تتسبب في موت 150 شخصاً)! تبرير يدعو للسخرية والاستهزاء وكأن من يقتل في اليمن وسورية وليبيا وغيرها على يد إرهابيي أمريكا ليسوا ضحايا!.
التخبط والتذبذب الأمريكي قابله على الجانب الإيراني تماسك وقوة وصلابة دبلوماسية وسياسية وعسكرية بما يدل على أن القدرة على إسقاط الطائرة الأمريكية ليست إلا غيضاً من فيض القوة العسكرية لإيران، مع تأكيد إيران أنها لن تكون البادئة بأي حرب لكنها ستقاوم أي اعتداء أجنبي وسترد عليه بكل قوة وحزم، إلى جانب رسالة واضحة تضمنها ما جاء على لسان قائد مقر خاتم الأنبياء اللواء غلام علي رشيد بدعوته أمريكا تجنب السلوك الخاطئ في المنطقة، والتصرف بمسؤولية للحفاظ على أرواح قواتها، وذلك في تحذير إيراني واضح.
انتكاسة جديدة على عدة مستويات كانت حصيلة إسقاط الطائرة، فهي انتكاسة للتكنولوجيا العسكرية الأمريكية تضاف إلى الانتكاسات السابقة وتتكامل معها، وهي انتكاسة لمعسكر الحرب وعلى رأسه الإسرائيلي والسعودي -المطبلين للحرب- بإسقاط احتمالية الحرب إلى الآن، والأهم انتكاسة لأمريكا ومكانتها على المستويين الدولي والعالمي.
جولة جديدة في إطار التصعيد الأمريكي تكسبها إيران وتحصد نتائجها سريعاً وعلى مرأى ومسمع الجميع، جولة لابد أن تدفع أمريكا لحساب خطواتها اللاحقة بدقة لأن أي خطأ غير محسوب سيراكم من هزائمها وانتكاساتها.. وأمام كل ما سبق يتضح أن الرئيس الأمريكي يهدر كنمر من خلال إطلاق التهديدات على «تويتر» لكنه غالباً ما يتصرف كهر خائف، على حد توصيف صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.

print