لا تكل أنظمة عربية رهنت نفسها للغرب عن منح ما ليس لها لكيان استيطاني زُرع بغفلة عن عرب مستعمَرين ضعفاء، فقطار التطبيع مع الكيان الإسرائيلي يواصل الانتقال من محطة إلى أخرى ليكسر كل المحرمات التي دفع العرب من أجلها كل تلك الدماء لأكثر من سبعة عقود، فما تسمى «ورشة البحرين» ليست إلا محطة في مسار التطبيع مع «إسرائيل» وتصفية القضية الفلسطينية بدفع أمريكي وتمويل من عرب النفط.

يراهن الأمريكي ومن خلفه الإسرائيلي على الاستثمار في الفقر والخراب العربي، ليخرق الوجدان الشعبي العربي الرافض للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي بعناوين اقتصادية، بعد أن استحوذ على أنظمة عربية بالترغيب أو الترهيب، فأغلب مشاريعه السياسية يغلب عليها الاقتصاد، وهو ما يبدو من «ورشة البحرين» التي أعلن الكيان الإسرائيلي عن مشاركة رجال أعمال إسرائيليين فيها، فالعنوان الاقتصادي هو الأبرز في محطات التطبيع مع الكيان الصهيوني.

بالتجربة لم تنفع كل اتفاقيات الخذلان والتطبيع من «كامب ديفيد» إلى «وادي عربة» و«أوسلو» شعوب مصر والأردن وفلسطين شيئاً على الصعيد الاقتصادي، فالبطالة والفقر لا يغادران الشعوب التي وقعت أنظمتها هذه الاتفاقات، فالهدف الأول للورشة هو المزيد من كسر الخطوط الحمراء أمام التطبيع مع الكيان الإسرائيلي من خلال الاقتصاد، والحقيقة أن المال الذي سيقدم استثمارات بـ50 مليار دولار بالأراضي الفلسطينية ومصر والأردن ولبنان في سياق «صفقة القرن» ومن المقرر أن تعلن هذه الخطة في البحرين، ليس مالاً إسرائيلياً أو أمريكياً بل هو مال النفط، فمعظم العرب لايتعلمون من التاريخ ومن التجربة.

المقاومة والرفض الشعبي العربي لمخطط «صفقة القرن» وروافده من الورش والندوات هما ما بقي للقضية، وكفيلان بتفريغ «ورشة البحرين» من أهدافها التطبيعية، لكنها ستضيف سطراً في كتاب العمالة والخيانة.

لا شيء يعلو على مركزية القضية الفلسطينية, لا شبه علاقات عربية ولا سلام عابر بردهة خلفية ولا الأمل بأن تصلح أنظمة عربية ما اقترفته بحق الدول العربية الوطنية وتعتذر عن جرائمها التي لا تزال المنطقة بسببهم تنزف الدم والخراب، ويدفع بنا للقبول بمبررات خاوية لعذر المطبعين، لأنه لا شيء يعادل قضية مصيرية مرتبطة بكرامة ووجود العرب كفلسطين.
ما يجري في المنطقة من خذلان ولهاث وراء التطبيع بمسمياته الكثيرة، ليس سلام الضعفاء، بل في الحقيقة هو أقل من ذلك.. هو استسلام الجبناء والخونة.

طباعة

عدد القراءات: 6