لأنّ القطن العمود الأساس للصناعات النسيجية أثر تراجعه سلباً في إنتاج كل الغزول والأقمشة والسجاد وغيرها بنسبة 60%، حسب مدير عام الصناعات النسيجية- د. نضال عبد الفتاح،
فزراعة القطن تتركز في الجزيرة السورية، حيث كانت المجموعات الإرهابية خلال سنوات الحرب، الأمر الذي تسبب تراجع زراعة وإنتاج القطن بشكل ملحوظ.
انخفاض إنتاج القطن أثر اقتصادياً في الفلاح بالدرجة الأولى، وكذلك في عمل المحالج وتسويق القطن، حيث خرج أكثر من نصف المحالج من الخدمة، لكن رغم كل المعوقات التي اعترضت زراعته خلال الحرب لم تصل سورية إلى مرحلة الاستيراد، حسبما أكد المعنيون بهذا الموضوع.
مدير مكتب القطن في وزارة الزراعة- وضاح القاضي أكد تراجع مساحات الزراعة والإنتاج بشكل كبير، ما أدى إلى توقف بعض معامل الحلج والغزل والنسيج، وكذلك الزيوت إضافة إلى تأثر الفلاحين اقتصادياً، فقد بلغ إنتاج القطن في عام 2018 ما يقارب 52400 طن من القطن المحبوب مقابل حوالي مليون طن في عام 2005، كذلك تناقصت المساحة المزروعة بشكل كبير من حوالي 238 ألف هكتار عام 2005 إلى ما يقارب 50 ألف هكتار في عام 2018، ولفت القاضي إلى أنه إذا أخذنا بالحسبان ما وصلت إليه حاجة السوق المحلية من ألياف القطن، التي تقارب 215 ألف طن في عام 2009، أي ما يعادل 650 ألف طن من القطن المحبوب، ندرك حجم الفجوة الكبيرة الحاصلة بين المطلوب والمتاح حالياً، لذلك يتم العمل على تأمين الكميات المطلوبة لتحقيق الاكتفاء الذاتي من هذا المحصول.

أسباب التراجع
القاضي ذكر أنّ الأسباب التي أدت لتراجع المساحات المنفذة والإنتاج هي خروج مساحات مروية من الاستثمار بسبب تخريب شبكات الري الحكومية والآبار، وهجرة الفلاحين وترك أراضيهم بسبب الوضع الأمني آنداك، وتالياً قلة اليد العاملة، إضافة إلى صعوبة توفير مستلزمات الإنتاج (بذار – أسمدة – محروقات) ونقلها وارتفاع أسعارها، كذلك التأخر في موسم الزراعة بنسبة وصلت إلى 69% بعد حصاد الفول والشعير وحتى القمح، إضافة إلى الإصابات الحشرية ولاسيما ديدان اللوز الشوكية بشكل مبكر بسبب الظروف المناخية، إذ كانت نسبة الضرر في بعض الحقول كبيرة، وأيضاً عدم إمكانية تأمين الأعداء الحيوية نتيجة تدمير العصابات الإرهابية المسلحة مراكز ومختبرات ومعامل إنتاجها.
استنباط أصناف جديدة
هذا التراجع في إنتاج القطن كان لابدّ من إيجاد بديل عنه من خلال البحوث والتجارب عليه بهدف توفير حاجة السوق المحلية، فبرغم الظروف الاستثنائية في الحرب استمر العمل في مجال البحوث العلمية الزراعية على القطن من خلال العديد من التجارب والبحوث وتم التوصل إلى 678 مجموعة هجينة في مراحلها المختلفة، إضافة لاستنباط صنف جديد لمحافظة حماة ومنطقة الغاب (حلب 124) رديف للصنف حلب 33/ 1، ويتميز الصنف الجديد بزيادة الإنتاجية 12% قطن محبوب و13 % قطن شعر، إضافة لزيادة في معدل الحلج ونسبة التبكير والاستطالة، حسبما قال مدير مكتب القطن، وأنّ هناك العديد من سلالات القطن المبشرة في محافظة دير الزور كالسلالة 106، وفي محافظة حماة السلالة G73 وفي الحسكة السلالة 223 إضافة لسلالات من القطن طويل التيلة والقطن الملون (البني والأخضر والبني المخضر)، ومن ناحية أخرى الاستمرار بإنتاج البذار الزراعي والمحافظة عليه.
في المقدمة
وذكر القاضي أنّ محصول القطن يأتي في مقدمة الإنتاج الزراعي في الأهمية الاقتصادية فهو يمد معامل الحلج والغزل والنسيج ومعامل الزيوت النباتية والأعلاف بالمادة الأولية، وتزرع مساحات القطن في سورية بحوالي 20-22% من مساحة الأراضي المروية المزروعة ويعمل في إنتاجه (زراعة وصناعة وتجارة ونقلاً) أكثر من 20% من السكان، منوهاً بأنّ سورية كانت قد احتلت، ولعقود ماضية، المرتبة الثانية عالمياً من حيث مردود وحدة المساحة، وتالياً تطور المردود من 1625 كغ / هكتار عام 1970 إلى حوالي 4000كغ للهكتار في السنوات الأخيرة قبل الحرب، وكانت تلبي حاجة السوق المحلية والعالمية من مختلف أنواع الغزول والنسيج، ومن الطبيعي أن ينعكس تراجع زراعة القطن على عمل المحالج وتسويق القطن، فبسبب الحرب والإرهاب خرج أكثر من نصف المحالج من الخدمة.
مدير عام المؤسسة العامة لحلج وتسويق الأقطان -زاهر العتال بينّ أن إجمالي عدد المحالج في القطر 17 محلجاً منها 11 محلجاً تعرض للتخريب، بينما المحالج العاملة حالياً هي الفداء /العاصي /محردة/ السلمية في محافظة حماة، وأيضاً محلج الوليد في محافظة حمص.
وأشار إلى أنّ المؤسسة تعرضت لخسائر كبيرة تقدر قيمتها الدفترية بـ 53 مليار ليرة ناتجة عن حرق وسلب مخازين الأقطان في المحالج التي خرجت عن السيطرة، إضافة إلى تخريب كبير في البنية الإنشائية والفنية والكهربائية، موضحاً أنّ كمية الأقطان المسوقة لموسم 2018- 2019 بلغت أكثر من (52) ألف طن، تم حلج كمية 48 ألف طن، ويتم تسويق النواتج من الأقطان المحلوجة وبذور القطن إلى شركات الغزل والزيوت، ومن المتوقع استلام كمية تقدر بـ 290 ألف طن خلال الموسم الحالي وفق تقديرات وزارة الزراعة، كاشفاً أنّ هذه الكميات تلبي حاجة السوق المحلية ولاسيما بعد إعادة تأهيل عدد كبير من خطوط الإنتاج ومحفزات الحكومة لدعم القطاع الصناعي النسيجي.
وفيما يتعلق بعدد الشاحنات المخصصة لنقل القطن أشار العتال إلى عدم وجود أي شاحنة عائدة للمؤسسة تقوم بنقل الأقطان حالياً بسبب خروج مكتب النقل العائد للمؤسسة عن السيطرة في عام 2012، وكذلك سرقة كل الشاحنات الموجودة فيه، علماً أنّ المؤسسة تقوم بنقل الأقطان عن طريق مكتب نقل البضائع في المحافظات.
فقدان الخبرات الفنية
مدير عام مؤسسة حلج وتسويق الأقطان أوضح أنّ المؤسسة تعتمد في عملها على العمالة الموسمية حيث كان عدد العمال الدائمين ما قبل الأزمة 1700 عامل، أما حالياً فالعدد 960 عاملاً فقط، بينما عدد العمال الموسميين وصل سابقاً إلى 5000 عامل، وحالياً تراجع إلى 550 عاملاً فقط، مؤكداً أنّ تسرب العمالة أدى إلى فقدان جزء مهم من الخبرات الفنية، علماً أن المؤسسة تسعى حالياً إلى تعويضها من خلال إجراء العقود السنوية وتدريب وتأهيل الكوادر الجديدة.
التحضيرات لاستلام الموسم الحالي
وذكر العتال أن المؤسسة اتخذت جملة من الإجراءات لتكون جاهزة لاستلام الموسم الحالي تتمثل في إعادة تأهيل المحالج التي تعرضت للتخريب أهمها إعادة تأهيل الصالة الأولى والثانية في محلج تشرين في حلب إنشائياً وفنياً وكهربائياً بطاقة حلج تقدر بـ 88 ألف طن قطن محبوب، وكذلك العمل لتأهيل محالج اللواء- الوحدة -الشرق -أمية –الفرات، ومكتب النقل ودائرة التصنيع والصيانة المركزية في محافظة حلب، وحالياً يتم تأهيل محلجي الشرق وأمية ليصار إلى وضعهما في الخدمة خلال الموسم القادم، علماً أنه تم تأهيل محلج السلمية في حماة بعد أن توقف عن العمل 7 سنوات، وهو حالياً في الخدمة، مبيناً أنه، بعد تحرير محافظة دير الزور، تم تأهيل محلج دير الزور وهو جاهز للعمل، ولا يوجد مراكز حالياً، فمحالج المؤسسة تعد مراكز لاستلام الأقطان من المزارعين.
لم نستورد
لم نصل إلى مرحلة استيراد القطن رغم المعوقات التي رافقت عملية زراعته وإنتاجه، فلم تستورد المؤسسة أي كمية من الأقطان حتى تاريخه، ولا يوجد أي حاجة للاستيراد في ظل الطاقات الإنتاجية المتاحة لشركات الغزل والزيوت، حسبما قال العتال، مشيراً إلى وجود صعوبات تعترض عمل مؤسسة حلج وتسويق الأقطان تتمثل في قدم الآلات، وصعوبة تأمين القطع التبديلية اللازمة لها، ولاسيما أن كل آلات الحلج أمريكية الصنع، إذ تسعى المؤسسة إلى تأهيل المحالج بالتزامن مع زيادة كميات الأقطان المحبوبة المستلمة، إضافة إلى تركيب محالج حديثة بدل المحالج القديمة التي أصبح تشغيلها غير مجدٍ فنياً واقتصادياً.
القطن هو الركيزة الأساسية للصناعات النسيجية، لذلك كان من المؤكد أن ينعكس تراجع زراعته سلباً على إنتاج الغزول والألبسة والأقمشة وغيرها.
د. نضال عبد الفتاح -مدير عام مؤسسة النسيجية أشار إلى وجود 25 شركة متخصصة بالصناعات النسيجية تتبع للمؤسسة، لكن نتيجة الأحداث في سورية، التي أثرت مباشرة في أداء الشركات، توقفت /11/ شركة عن العمل نهائياً، وتعمل شركة واحدة جزئياً، وهي الشركة التجارية الصناعية المتحدة /الخماسية/،وقد استمرت خلال فترة الأزمة (من دون توقف) في إنتاج القطن والشاش الطبي لتلبية حاجة القطاع العام حصراً من هذه السلع، مؤكداً توقف شركتين قبل عام 2010 وهما: شركة مصابغ حمص وشركة حرير الدريكيش لعدم الجدوى من تشغيلهما، في حين استمرت 11 شركة في العملية الإنتاجية من دون انقطاع.
تراجع الإنتاج بنسبة 60%
مدير عام النسيجية أشار إلى تراجع الإنتاج بنسبة 60% خلال الحرب، فعلى سبيل المثال وصلت كمية الإنتاج المخططة والجاهزة للبيع من غزول قطنية إلى 117864 طناً في عام 2010، والبيع الفعلي كان 108452 طناً بنسبة تنفيذ 92%، بينما انخفضت الخطة في العام الماضي إلى 49612 طناً والبيع الفعلي 18323 طناً بنسبة تنفيذ 37%، كذلك وصلت كمية الإنتاج المخططة والجاهزة للبيع من ساتان في عام 2010 إلى 458 طناً، البيع الفعلي 166 طناً بتنفيذ 36%، بينما العام الماضي كان الإنتاج المخطط 284 طناً، البيع الفعلي 58 طناً بنسبة تنفيذ 20%، وهكذا فإنّ الأمر ذاته ينطبق على كل الأنواع من الغزول والأقمشة والسجاد والجوارب حيث تراجع إنتاجها.
صعوبات
وبين د. عبد الفتاح أن المؤسسة وشركاتها تعاني صعوبات أبرزها خروج عدد كبير من الشركات التابعة من الخدمة، ما أدى إلى انخفاض الطاقات الإنتاجية بشكل كبير، إضافة إلى ارتفاع سعر المادة الأولية الذي وصل إلى 1070 ليرة، وتالياً وصلت تكلفة الغزل إلى 1284 ليرة فتكلفة المادة الأولية تساوي سعر الغزول عالمياً عدا عن التكاليف التي تتحملها الشركات من أجور ومصاريف صناعية أخرى ترفع من تكلفة الغزول، فتنعكس سلباً على تكلفة المنتج وزيادة المخازين وانخفاض قيمتها مع الزمن، إضافة لمخاطر تخزينها وتكبيد الشركات خسائر كبيرة كذلك الضغط على القطع الأجنبي، منوهاً بوجود صعوبة في تصدير المنتجات النسيجية ولاسيما الغزول القطنية إلى الأسواق الخارجية نتيجة الحصار والعقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية، وأيضاً عدم توافر المرونة الكافية في القوانين والأنظمة التي تتطلبها العملية التسويقية .
استراتيجية المرحلة القادمة
وكشف د. عبد الفتاح عن رؤية المؤسسة الاستراتيجية للمرحلة القادمة أهمها إقامة مجمعين صناعيين متكاملين في كل من مدينتي حلب ودمشق تبدأ فيهما العملية الإنتاجية من المراحل الأولى (غزل) حتى المنتج النهائي بأنواعه (ألبسة جاهزة)، وهذان المجمعان يمكن أن يحققا ريعية اقتصادية مهمة.
وأشار إلى جملة اقتراحات لتطوير عمل المؤسسة أهمها دراسة إمكانية تحويل المؤسسة إلى شركة قابضة مع المحافظة على الملكية العامة وحقوق العاملين، بهدف إعطاء المؤسسة المرونة الكافية والاستقلال المادي والإداري ضمن بيئة قانونية مناسبة تتيح لها صلاحيات واسعة ومرونة كبيرة في العمل، وأيضاً تعزيز التشاركية مع القطاع الخاص لتحقيق الأهداف الموضوعة وفق أنظمة الاستثمار والتشاركية النافذة، لافتاً إلى ضرورة تطوير نظام الحوافز الحالي بما يلبي احتياجات العمل وتحفيز العاملين للوصول إلى النتائج والأهداف المطلوبة، وقد قطعت المؤسسة شوطاً جيداً في هذا المجال حسب رأيه.
العمود الأساس
الباحث الاقتصادي الدكتور- حيان سلمان ذكر أنّ القطن هو العمود الأساس لصناعة النسيج في سورية، لكنَّ تركز زراعته في الجزيرة السورية حيث توجد العصابات الإجرامية منها «داعش» و«النصرة»، إضافة إلى قوات قسد التي تتعاون مع الاحتلال الأمريكي، أدى إلى تراجعه بشكل كبير،لافتاً إلى أنه سابقاً كان الإنتاج بحدود 800- 900 ألف طن من القطن، بينما حالياً انخفض هذا الإنتاج كثيراً، كاشفاً أن القطن كان يباع بأبخس الأسعار من قبل المرتزفة إلى اللص التركي الذي يبيعه إلى السوق العالمي بأسعار زهيدة جداً، لذلك تأثر قطاع القطن تأثراً كبيراً وانعكس هذا بشكل مباشر على صناعة الغزل والنسيج، إذ يشكل القطن أكثر من 80% من المستلزمات الإنتاجية.
أولويات الدولة
الأولويات المطروحة في خطة الدولة العمل على أن يعود القطن إلى ما كان عليه سابقاً من خلال تفعيل وتنشيط الدورة الاقتصادية، وقد اتخذت الحكومة خطوات في ذلك منها زيادة أسعار السلع والمواد الاستراتيجية الأربع وهي القطن – القمح – التبغ- الشوندر السكري، وأيضاً تقديم تسهيلات للفلاحين على أن يتم الاستلام منهم في الحقل، وضمن هذا الإطار هناك أيضاً خطط معينة لعودة القطن إلى ما كان عليه قبل 2010، حسبما أكده د. سلمان، متوقعاً أن يزيد إنتاج القطن ويصل إلى مليون طن في القريب العاجل .
مترابطة
د: سلمان يقول: تتباين الآراء بشأن خسائر الاقتصاد السوري من جراء الحرب الظالمة عليه، إذ من الصعوبة حصر خسائره لسببين أساسيين: الأول أنّ بعض المناطق لا تزال تحت سيطرة الإرهابيين مثل إدلب والرقة، والسبب الثاني تباين الخسارات وتنوعها من خسارة كاملة إلى جزئية ضمن المنطقة الواحدة، على سبيل المثال قدر رئيس مجلس الوزراء خسارة الاقتصاد بأكثر من 6000 مليار ليرة، بينما تقديرات صندوق النقد الدولي بحدود 357 مليار دولار، أما الاسكوا فقدرتها بحدود 350 مليار دولار، موضحاً أنه، من وجهة نظره الشخصية وبشكل عام، وصلت خسائر الاقتصاد السوري المباشرة وغير المباشرة إلى حدود 400 مليار دولار، أما إذا أخذنا الخسائر على المستوى الجزئي أو على مستوى الفروع والقطاعات فالحقيقة تباينت من مكان إلى آخر لكن تركز أكبر الخسائر في القطاعات الأساسية والبنى التحتية في النفط –– القطن – الشوندر السكري وغيره.
وختم بالقول: رغم كل الظروف التي مرت على الاقتصاد خلال السنوات التسع العجاف هناك تفاؤل بعودته إلى سابق عهده، لكنه يحتاج بعض الترميم من هنا وهناك.

طباعة

عدد القراءات: 1