قدرك أيّها المُتعاقل أن تكون حاطب ليل مهما بلغ قدر نباهتك، فالحيز الذي يشتغل فيه العقل محصور مشروط يدعو إلى التّكيّف الأقصى لأنّ العقل كالطبيعة يأبى الفراغ، ولكي تمسك بالمعقول الخالص وجب أن تخرج من كل شروط وقيود العقل في انشغاله الأدنى، وهو مستحيل، فالجري العملي يقتضي القبول بصفقة مركبة من المعقول واللاّمعقول، وفي كل نسق هناك معقول يدبّر لا معقوله، ولا تُخطئ ففي كل نسق هناك العقل يشتغل نحو اشتغال، لأنّ العقل يتدانى أيضاً بقدر نسيان الوجود واستنزاف الجزئي.
لا يكفي المعقول وحده لميلاد وتطور النسق في مدارك أدنى من حدس الوجود، وإذاً يحتاج رصيداً من اللاّمعقول، وهذا اللاّمعقول -كما ذكرنا- متناسب وظيفياً مع المعقول، بمعنى أنّ المعقول لا يكشف عن ماهيته إلاّ بقدر ما يبديه من الاستبعاد.. يُعرف المعقول من خلال وظيفة الاستبعاد وكيفية الاستبعاد، وهكذا يُعرف اللاّمعقول من جراء استبعاد المعقول له.
في هذه الجدلية يقدم العقل هويته بوصفها هوية استبعادية، غير أنّ اللاّمعقول هو الآخر لا يستسلم لهذا الاستبعاد ولا يقبل المُكوث في المنفى، بل يعيد تشكيل نفسه وعرضها باستمرار على قواعد المعقول، تارة مستعيناً بأقنعة جديدة وتارة بالتعويض وتارة في شروط ما يعلن الحرب. تخفّ الرقابة ساعات وترتبك السياقات وفي كل وضعية هشّة يستعيد اللاّمعقول لياقته ليقتحم حرم المعقول.. إنّ المعقول حين يستقوي ويعلن ثورته يستقل عن المعقول ويُنشئ له نسقاً جديداً يستدعيه إليه معقول من نمط آخر.. وهكذا دواليك.
تحدثنا قبل سنوات عن التعاقل، وحينئذ تحدثت عن أنه يأتي على وزن تعاقد، فالتعاقل شكل من التعاقد بل هو شريعة المتعاقلين، فالقبول والاستبعاد يخضعان لتعدد المعايير، كلٌّ حسب سياقه وشروطه وما ترتضيه جماعة المتعاقلين. وكان من المفترض أن يكتسي العقل الخالص بصفة متعالية لا تتحَدد بالتعاقل، وهذا هو الوهم الذي قاد «كانط» إلى إعلان استحالة القبض على «النومين». إنّ الاشتراطات والقبليات التي فرضها كانط على العقل تحيد به عن العقل الخالص لتجعله شكلاً من التعاقل. البحث عن العقل الخالص في شروطه الدنيا مأزق منهجي في تاريخ ومفهوم العقل.. بتعبير آخر، إنّ المعرفة لا تتحدد في واقعنا الخارجي في ظرفي الزمان والمكان كقبليات مجردة، بل إنّ الصيرورة نفسها تمنح للزمان والمكان معاني مشروطة هي الأخرى، وكل ذلك بقدر ما نغرق في التمداد الجزئي المادي. يستطيع كانط نفسه أن يكون ناقداً جريئاً لكانط فيعفينا من مهمّة التناقض التي تضعنا في قلب المثالية النقدية.
إنّ عقلاً كهذا تعاقلي ومشروط هو قوة تفكّرية متجددة، تتجدد سياقاتها وشروطها ومعطياتها باستمرار، وعلى هذا الأساس نتحدث عن تجدد العقل الذي يقع في مستوى «العقل بشرط» لأنّ تعقّلنا وتعاقلنا يكونان دائماً في موضوع، وهذا الموضوع يستقطب جوانب وميولاً وقراءات ليست بالضرورة تستند إلى المعقولات.
إلى أصحاب النزعة المادية الذين ملؤوا الدّنيا ضجيجاً: عن أي مادة، مفهوماً وامتداداً، يتحدّثون؟ فالمادة ليست مادية، على الأقل ليس دائماً، وعلى الأقل ما لا يرى منها وغير قابل للقياس، ولا أعني المادة هنا بما فيها تلك التي تدخل في شروط القياس المجهري بل أعني تلك المادة التي يفترض العقل نفسه أن تكون، ولكنها مظلمة إلى حدّ أنّها ليست صادمة للشيء وإنما تنزاح عنه، فتصعب رؤيتها وقياسها، وعدم رؤية حتى آثارها.
هذه الفراغات المذهلة تستمر في جعل تصورنا للمادة ضحلاً، حيث عالم المادة نفسه غير متناه أمامنا، وحيث توجد مناطق معتمة في المادة أكثر مما هي في الفكر. نحن نفكّر في امتداد لا حدود له، غير متناه، ولكنه لا يعني بالضرورة أن يكون دائميّاً، لأنّنا – وكما في فكرة العود الأبدي – تتكرر الأفكار والأشياء ولكن بطريقة أخرى، نستطيع أن ندور مع الدائرة إلى الأبد فهي لا نهائية، ولكنها ديمومة تتكرر مع وجود فوارق، لن يتكرر زمان الحركة، وهذا يكفي لكي تختلف الأنحاء.
موريس ميرلوبونتي- الفيلسوف الفرنسي- يتحدث فيما ينبغي أن يكون حين يعد أنّ العلم في المختبر والعوالم، ولكن لا ليسكن فيها، بل وكأنه في حالة تأدية واجب ضمن شروط مقررة، لكن ليست تلك هي حقيقة وواقع العلم اليوم، فلقد ساهمت ديكتاتورية الإطار في نسيان العلم نفسه لوظيفته، وبات يسكن بقوة المناهج داخل حقول معينة، وأصبحت سلطة الإطار تتجاوز العلم نفسه، وربما سيقترب العلم من أن يصبح في خدمة اللاّمعقول الخالص، حين يفقد النسق معقوله الذي ينسحب شيئاً فشيئاً تاركاً النسق معتلاً وخالصاً للامعقول، فتأتي الأيديولوجيا لتحلّ محلّ المعقول وتواصل رحلة الزيف.
هذا العقل، حين لا يعي وظيفته وإمكاناته، ويستسلم لسلطة الإطار، وينسى أنّه دخل إلى ما دخل إليه بقوة مَكْرِه، فإنّه يتبلّد، ولن يختلف حينئذ عن الحواس نفسها التي منها انطلق البحث وصولاً إلى العمق وأحكام العقل.
يستقل العقل، ولا يحمل معه من شروط الواقع الخارجي سوى حدس، يدبر الموقف ومكر عميق يتكيف به مع المحيط، وحذر شديد يتطلب اختباراً مستمراً للمعرفة، ودحضاً متواصلاً وقاسياً- كما ذهب كارل بوبر الفيلسوف النمساوي- ثورة دائمة تهزّ أركان «الباردايم» ولكنها لا تلغيه، لأنّ الغاية ليست تقويض المنهج بل استنزافه والتحرر من هيمنته والإمساك بالأنطولوجي، وهذه المهمّة لن يقوم بها عقل تتقاذفه الشروط بل عقل مسلّح بمَكْرِه، هذا المكر هو المُعوّل عليه في تحرير المعرفة من سطوة فائض المناهج لتصبح فعلاً محفّزاً لمعانقة الوجود.

*كاتب من المغرب

طباعة
عدد القراءات: 2