لعل هذه اللازمة «الكليشة» هي الأكثر استخداماً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية داخل أروقة مجلس الأمن لدعم وتسويغ سياساتها وسلوكها العدواني ضد من تسميهم «الدول المارقة» الرافضة للخضوع لمصالح المنظومة الرأسمالية العالمية. وقد تم توجيه هذا الاتهام الباطل لكل من العراق، وسورية، ويوغسلافيا، وإيران، وفنزويلا، وبلدان أخرى لم يكن لها ذنب سوى سعيها لاستقلال إرادتها الوطنية بعيداً عن الإملاءات الأمريكية والغربية.
الاستخدام الأخير لهذه «الكليشة» كان في الدعوة الأمريكية لعقد جلسة لمجلس الأمن لتدارس الأوضاع في خليج عُمان، بعد استهداف مشبوه لناقلتي نفط جديدتين في المنطقة. يتميز الهجوم الجديد بأنه نقل الأمور إلى مستوى جديد، من حيث إنه استهدف ناقلات نفط متحركة ومحملة بالمشتقات النفطية.
سارع وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إلى اتهام إيران، وعلى الوتر نفسه عزف الإعلام الأمريكي وحلفاؤه. السيناريو المطروح يرتكز على تصريح إيراني بمنع مرور النفط عبر مضيق هرمز إذا لم يمر النفط الإيراني.
تبدو الأحداث وكأنها تحث الخطا نحو الحرب، وهو اللحن الذي يطرب له الفريق (ب) حسب وصف وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، ويقصد به بولتون، بن سلمان، بنيامين نتينياهو. لكن هل فعلاً الحرب على الأبواب؟
لا أعتقد أن شيئاً قد تغير بعد تفجيرات ناقلات النفط، فالردود الإيرانية ما زالت صارمة، من خلال التأكيد على عدم تمديد مهلة الـ60 يوماً الممنوحة للاتحاد الأوروبي، والرفض القاطع للتفاوض مع الولايات المتحدة إلا بتراجع الأخيرة عن مواقفها العدوانية تجاه إيران، ثم الإعلان الإيراني عن منظومة متطورة من الصواريخ المضادة للطائرات، وأخيراً رفض قائد الثورة الإسلامية الإيرانية السيد علي الخامنئي، تسلم الرسالة الأمريكية التي حملها رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي.
التلويح بالحرب، إذاً، ليس سوى أداة أمريكية – بريطانية لزيادة الضغط على إيران التي تبدو مرتاحة جداً في تحركها السياسي. والتفجيرات جزء من لعبة شد الحبل وسياسة حافة الكارثة التي تمارسها الولايات المتحدة بقيادة الفريق (ب) ضد إيران التي يبدو أنها تتفوق فيها بسبب خبرتها الطويلة خلال سنوات الحصار.
ففي قمة منظمة شانغهاي للتعاون التي تشغل فيها إيران موقع العضو المراقب، ظهر جلياً الدعم الروسي والصيني لإيران، بما فيه توسيع مجالات التعاون الاقتصادي، كما صرح الرئيس الصيني شي جين بينغ.
معاهدة شنغهاي التي عقدت قمتها السابعة في بيشكيك عاصمة قرغيزيا، أُطلقت في عام 1996 بمبادرة صينية، بهدف حل النزاعات الحدودية بين جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وكان شعارها محاربة التطرف والإرهاب والنزعات الانفصالية. في عام 2002 أُعيد إطلاقها بانضمام روسيا وباكستان والهند، ولاحقاً انضمت إيران وأفغانستان وبيلاروس ومنغوليا كأعضاء مراقبين. وتوسعت مجالات اهتماماتها إلى النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ومن المتوقع أن تتحول إيران إلى دولة كاملة العضوية بدعم من روسيا والصين، ما سيمنح إيران منافع اقتصادية جمْة عبّر عنها الرئيس حسن روحاني بدعوته شركات وحكومات دول المعاهدة إلى الاستثمار في إيران واعداً بتسهيلات مميزة.
لم يبقَ أمام الولايات المتحدة سوى مجلس الأمن و«كليشة» تهديد الأمن والسلم العالميين. انتهت الجلسة من دون نتائج، كما هو متوقع، إذ إن تحويلها إلى جلسة رسمية وطرح أي مشروع قرار يمس إيران، كان سيصطدم بموقف روسي- صيني متشدد، كما إن نائب المندوب الأمريكي أكد أن الحرب التي يعزف لحنها الفريق (ب) ليست على الأجندة الأمريكية التي تسعى -حسب قوله- إلى محادثات غير مشروطة.
أما بالنسبة للأمن والسلم العالميين، فإن الولايات المتحدة هي الأكثر شهرة بتهديدهما عبر التاريخ الحديث، فمنذ انتهاء الحرب الأمريكية – الإنكليزية عام 1814، أطلقت الولايات المتحدة حربها ضد الجزائر عام 1815، ودمرت الأسطول الجزائري وقصفت مدينة الجزائر؛ ثم الحرب ضد المكسيك عام 1848 التي انتهت بضم ولاية تكساس؛ والحرب ضد إسبانيا عام 1898 التي انتهت بضم كوبا وبورتوريكو والفليبين؛ وحرب استقلال الفليبين 1899– 1934، وتدخلت في الحرب الأهلية اليونانية الإسبانية، وحاربت في كوريا وكمبوديا وفييتنام ويوغسلافيا وغرانادا وبنما وأفغانستان والعراق وليبيا وسورية، ناهيك بآلاف العمليات الاستخباراتية والاغتيالات وقتل رؤساء دول أعضاء في الأمم المتحدة مثل سلفادور الليندي وصدام حسين.
هذا الثور الأمريكي الهائج منذ قرنين يجد اليوم قوى صاعدة، تقف في وجهه بكل بسالة، وتهزمه في كل الميادين، لذلك، يلجأ إلى القوة الغاشمة، كما فعل ضد العراق وسورية، لكن سهم الزمان لن يرتد إلى الخلف، ولن يطول انتظار الشعوب الحرة لترى السقوط المدوي لهذا العملاق المملوء قشاً.

*كاتب من الأردن

طباعة
عدد القراءات: 5