يحظى اسم دورة كل عام من معرض دمشق الدولي بالكثير من الاهتمام والتفكير كما يبدو، فيأتي حاملاً المدلولات والمعاني التاريخية والسياسية لسورية، فمن شعار«سورية تنبض بالحياة» للدورة التاسعة والخمسين التي جاءت بعد غياب دام نحو ست سنوات، وبالتزامن مع أحداث حرب متوحشة تتعرض لها البلاد، إلى «عز الشرق أوله دمشق» في الدورة التي تلتها، لنصل إلى الدورة التي يتم التحضير لها أواخر هذا الصيف تحت شعار «من دمشق إلى العالم»
مدير عام شركة «مسارات للمعارض والمؤتمرات» أنس ظبيان يقول : يجب أن يكون لاسم المعرض معنى ووقع رنان، ورسالة بالدرجة الأولى مباشرة وغير مباشرة فالاسم هو «سلوغان» المعرض أي الشعار الذي ينطبع في ذهن الشخص عند سماع الاسم في كل مرة. خلال هذه الدورات الثلاث تطور واقع وأداء معرض دمشق الدولي من حيث الخدمات وأنواع وعدد المشاركات فيه بقفزات نوعية، إذ إن عدد الدول المشاركة ازداد، حيث شاركت 23 دولة في الدورة 59 والآن هنالك 24 دولة ثبتت مشاركتها لهذا العام، وكذلك ارتفع عدد الشركات المشاركة في المعرض من 1600 شركة للدورة 59 إلى 1722 شركة للدورة الستين، وما زلنا في انتظار العدد النهائي لهذه الدورة، كما ارتفعت المساحات المحجوزة من 74 ألف متر مربع للدورة 59 إلى 78500 متر مربع حتى الآن لهذه الدورة، كما أكدت مديرية المعارض في وزارة الاقتصاد.

معرض دمشق الدولي من أقدم المعارض في المنطقة العربية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، ولطالما كان تظاهرة اقتصادية وسياسية، وقد ظهر هذا واضحاً من خلال نوعية المشاركات خلال الدورة 59 التي أعلن عنها بعد انقطاع حيث كانت المشاركة الأكبر لدولة إيران الصديقة، إذ كان الوضع الأمني يشكل قلقاً للكثير من الدول أو الشركات التي كانت ترغب في الحضور.
عودة معرض دمشق الدولي تشكل نقلة نوعية في حياة السوريين، وتدخل كحدث ينقل الناس من متابعة أخبار الحرب إلى متابعة حدث اقتصادي على مستوى العالم، ويراه الكثير من الجهات المشاركة المحلية والعربية والدولية كفرصة لحجز مكان في مرحلة إعادة الإعمار المنتظرة في سورية ما بعد الحرب.
عادت الجزائر
تتميز الدورة 61 لهذا العام عن سابقتيها بعودة مشاركة دولة الجزائر في المعرض وحصول لبنان على المساحة الأكبر من بين جميع الدول العربية المشاركة حيث تحجز مساحة تصل إلى (920) م2.
وفي اجتماع برئاسة مجلس الوزراء ترأسه رئيس مجلس الوزراء وحضرته كل الوزارات والجهات المعنية بتنظيم الدورة 61 للمعرض بغية تلافي كل الأخطاء السابقة والخروج بافتتاح نوعي رسالته للعالم «إعادة بناء كل ما خربه الإرهاب وبدء تعافي الاقتصاد السوري بكل مكوناته».
وتناولت المناقشات أهمية قيام الوزارات المعنية بتوجيه دعوات إلى جميع الدول الصديقة ورجال الأعمال والفعاليات الاقتصادية فيها للمشاركة، وأن تقدم السفارات السورية التسهيلات اللازمة لكل من يرغب المشاركة في المعرض.
انسيابية وآمنة
في الدورة الأولى لهذا المعرض كانت التجهيزات النهائية مستمرة حتى قبل ساعات من الافتتاح وكان العمل مستمراً يصل الليل بالنهار، ومع كل دورة هناك تحسن في مستوى الخدمات ويتم تلافي الأخطاء التي حصلت في المرات السابقة.
من خلال استنفار وزارات الدولة ومؤسساتها قبل فترة طويلة من موعد انطلاق المعرض لتقديم الأفضل، فوزارة النقل مثلاً أعلنت على لسان وزيرها علي حمود جهوزيتها لتأمين النقل السككي والجوي والطرقي الآمن والانسيابي، وتجهيز مطار دمشق الدولي بكل ما يلزم وإجراء عمليات التأهيل والصيانة، وافتتاح قاعات مأجورة مؤمنة بجميع المستلزمات لمسافري الدرجة الأولى.
ولأن النقل هو العصب الحيوي لنجاح المعرض، فقد خصصت وزارة النقل 34 رحلة يومية (17 ذهاباً و17 إياباً) لنقل زوار المعرض من دمشق، مع التأكيد على أن هذه الأرقام قابلة للزيادة عند الحاجة والطلب لتأمين الخدمة الأفضل للزوار كما تؤكد وزارة النقل، ومن ضمن الترتيبات أيضاً زيادة عدد وسائط النقل التي وصلت إلى 150 بدلاً من 70 حافلة في الدورة السابقة، إضافة إلى تسيير قطار الضواحي من مدينة دمشق إلى المعرض والخطة تتضمن تجهيز 8 قطارات في محطة القدم 6 منها للعمل اليومي، واثنان كاحتياط.
وسيتم العمل على زيادة الفترة الزمنية المخصصة للنقل بالقطار من دمشق الى مدينة المعارض وبالعكس حتى خروج آخر زائر، وتتضمن الخطة المطلوبة من وزارتي النقل والداخلية ومحافظتي دمشق وريفها التنسيق لتأمين حركة انسيابية لوسائل النقل العامة والخاصة، والعمل على فتح طرقات ونوافذ عبور جديدة، وزيادة عدد الباصات المخصصة لنقل الزوار من والى المعرض.
إضافة إلى زيادة عدد معابر الزوار من 3 إلى 11 بوابة، وكذلك تجهيز صالات التذاكر لتستوعب أكبر عدد ممكن من الزوار من دون تأخيرهم.
ولمزيد من المرونة والتسهيل سيتم التنسيق مع الشركة العامة للنقل الداخلي، والمؤسسة العامة للخطوط الحديدية، لبيع بطاقات الدخول ضمن باصات النقل الداخلي وفي محطات القطار، بقصد التخفيف من الضغط على أكشاك بيع بطاقات الدخول القريبة من البوابات، علماً أن سعر البطاقة مئة ليرة.
تحت رعايتها
ولأن وزارة السياحة من الوزارات المعنية بتقديم أفضل الترتيبات قبل موعد انطلاق معرض دمشق قامت الوزارة بتخصيص جناح للحرفيين من مختلف المحافظات السورية، وحجزت مساحة تصل إلى 700 متر مربع لعرض منتجات مركز «دير ماما» لصناعة الحرير، وأعدت السياحة أفلاماً وفواصل ترويجية للمناطق السياحية لتسليط الضوء على أهم نقاط الجذب السياحي في سورية، إضافة لفعالية تلقى الكثير من الازدحام في كل دورة وهي فعالية شارع الأكل الذي يمتد على مساحة تصل إلى ٣٠٠٠ متر مربع يشارك فيه العديد من المطاعم وهواة الطبخ لتقديم المأكولات الشرقية والغربية والشعبية بأسعار وصفتها الوزارة بالتشجيعية لزوار المعرض.
أما جديد وزارة الموارد المائية في مشاركتها في هذه الدورة فهو عرض الإجراءات التي اتخذتها الوزارة لتعيد خدمات المياه إلى المناطق المحررة كـ: ريف دمشق الشرقي، ودير الزور، والقنيطرة، وكذلك سيتم عرض واقع المخبر المركزي لمراقبة نوعية المياه في مدينة دمشق، حيث تتم مراقبة جودة ونوعية المياه الموزعة على مدينة دمشق وريفها، وذلك من خلال قطف العينات من منظومة المياه في نبع الفيجة وبردى، وكذلك آبار مراكز الضخ، ليطلع الزوار على تحقيق المواصفة العالمية المطلوبة، وسيكون المعرض فرصة للتوجه بحملة بغرض الترشيد في استخدام المياه.
لمسات حرفية
رئيس الجمعية الحرفية للمنتجات اليدوية التراثية فؤاد عربش تحدث عن مشاركة لافتة للحرفيين في هذا العام، وأكد أن المشاركة في المعرض تثبت لجميع الزوار أن الحرفيين لم يكونوا نائمين خلال سنوات الحرب، بل كانوا يعملون للحفاظ على التراث السوري كما الجندي العربي السوري. وأضاف عربش: ستكون لهم في هذه الدورة مشاركة مع جهتين لكل من شيوخ الكار، والحرفيين العاديين، فوزارة السياحة ستأخذ مجموعة من شيوخ الكار لإقامة معرض مشترك بالتعاون مع كل من وزارة السياحة وشيوخ الكار واتحاد الحرفيين، وكذلك هنالك جناح الصناعات اليدوية، وهذا للحرفيين، وستعمل فيه مجموعة من الحرفيين بمصنوعاتهم من إكسسوارات وغيرها من الصناعات اليدوية، ومساحة كل من الجناحين تصل لنحو ألف متر، واحد مخصص لدمشق وآخر لبقية المحافظات، لأنه سيأتي للمشاركة في المعرض من كل المحافظات في القطر، كحلب وحماة والسويداء واللاذقية…الخ.
وعن أهمية مشاركتهم في هذه الدورة قال عربش: إنه كرئيس جمعية حرفية تهتم بالحرف التراثية، يعملون على إظهار التراث الدمشقي من خلال رسمات جديدة يحرصون على أن تكون جديدة في كل مرة يشاركون فيها، والآن يعملون على أن يظهروا للمتلهفين إلى المنتجات التراثية السورية الذين يعودون إلى سورية تاريخ وحضارة هذا البلد من خلال المهن التراثية.
وعما يميز هذه الدورة عن سابقاتها قال عربش إن المطلوب من كل حرفي أن يشارك بجديد عنده، فالحرف التراثية المعروفة كلها مشاركة في هذه الفعاليات بأحدث ما تنتجه مثل أصحاب الحرف الخشبية النحاسية الزجاج -الفسيفساء -النسيج، ومن الضروري أن يتابع الناس مراحل عمل المنتج اليدوي مباشرة، لأن لهذا النوع من السلع أهمية خاصة، تعجز منتجات الآلة عن تحقيق إنتاج اللمسة اليدوية مهما تطورت.
مشكلات مستعصية
للباحث الاقتصادي الدكتور عمار يوسف رؤية مختلفة عن أهمية المعارض عموماً وواقع الحال في سورية خصوصاً، ونرى أنه لا مانع من عرض آراء تحمل وجهات نظر قد يختلف معها البعض مدعماً ببعض الوقائع والحقائق، ويتفق معها البعض الآخر، د. يوسف يرى أن المعارض تساهم في تفعيل الحركة التجارية الداخلية والخارجية، ولكن الآن وضمن ظروف الحرب التي تشن على سورية، وخاصة الاقتصادية منها وهي في طريقها إلى التفاعل بعد العقوبات الجديدة التي فرضتها أمريكا والمعروفة بقانون «سيزار» يرى أن المعارض عموماً لا يمكن أن تحقق الغاية المطلوبة منها، وأن كل هذه المعارض ما هي إلا نوع من الدفع النفسي من قبل الحكومة للداخل والخارج بقصد القول إن الاقتصاد بخير، ولكن المشكلة أننا ما زلنا نعاني غلاء المعيشة وعدم استقرار أسعار الصرف للعملات والتهريب، والفساد المستشري في كل مفاصل الإدارة، إضافة إلى المشكلات المستعصية في حوامل الطاقة من كهرباء ومحروقات، والحقيقة أن المعرض وإن كان متنفساً للمواطنين وفسحة من التسلية للشعب، لكنه على الصعيد الاقتصادي التبادلي كان في حدوده الدنيا فلا صفقات مهمة تمت من خلال تلك الدورة للمعرض، وإن كان المعرض السابق قد حقق الرسالة الخارجية السياسية، فإنه لم يحقق الرسالة الاقتصادية كما أن المواطن السوري حالياً يحتاج القيام بخطوات جدية في مجال إعادة الإعمار لأنه اكتفى من المعارض وورشات العمل ومذكرات التفاهم، وولائم الغداء والعشاء على شرف الشركات، ولا بد من أن يرى نتائج حقيقية وفعلية، فما زال نصف الوطن السوري مدمراً، والآخر يحاول التعافي مما ألم به في زمن الحرب.
معنوية وربحية
بينما يقول رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية فارس الشهابي لـ «تشرين» إن أهمية المشاركة في معرض دمشق الدولي ليست معنوية فقط، إنما اقتصادية وربحية أيضاً، والمطلوب كما في كل الدورات السابقة، مشاركة فعالة لإعلاء كلمة الوطن في ظل الحرب والحصار والعقوبات.
للعارض والمشتري
في حين رأى خازن غرفة دمشق محمد الحلاق أنه لا أحد يستطيع أن يتجاهل أهمية المعارض في التسويق والترويج وتعريف المستهلك أياً كان (صناعياً، تاجر جملة أو مستهلكاً نهائياً) على المنتجات الحديثة أو سواها.
وأكد أن المعارض تعد فرصة ثمينة جداً للعارض والمشتري على حد سواء و فرصة للتواصل مع أكبر شريحة من المشترين المحتملين أو الحاليين، وفرصة لمناقشة واقع المنتجات، حيث إن التواصل بين مختلف شرائح العلاقة التجارية هو أساس لتطوير المنتجات و توفير حاجات السوق.
وأضاف الحلاق أن لمعرض دمشق الدولي نكهة خاصة و أهمية معنوية و مادية، ولكن أكثر ما يحزنه في بنية معرض دمشق الدولي هو عدم قدرة الزائر على الإحاطة به بالشكل الأمثل، حيث إن بنيته من حيث إنشاء الكتل بحاجة إلى إعادة توظيف بشكل أفضل مما هي عليه، وأنه لا بد من إعادة دراسة تموضع الأجنحة بشكل يتيح الاستفادة من زيارته بشكل أفضل، والتعرف على المنتجات بشكل أكبر.
ولا بد من فصل موضوع الزيارات التي تهدف إلى التعرف على المنتجات، عن الزيارات التي تهدف لإدخال السرور و البهجة على المجتمع.
ويؤكد أن الكثير من رجال الأعمال لم يستطيعوا التعرف على معروضات المعرض بسبب الضغط من قبل الزوار العاديين (وهم بالطبع قيمة مضافة للمعرض) وتالياً يجب إيجاد طريقة للاستفادة المشتركة بين الجميع وتنسيق الزيارات.
اهتمام أكبر
يشاركه الرأي مدير مسارات للمعارض والمؤتمرات أنس الظبيان ويؤكد أن المطلوب في هذه الدورة، زيادة الكوادر التنظيمية والإشرافية ورفع مستوى الأمان في قسم ألعاب الأطفال، وأنه يجب أيضاً ضبط الإجراءات التنظيمية أكثر من ناحية تنظيم دخول المشاركين قبل المعرض، وتخصيص بوابات خاصة لهم، وتحديد أماكن وقوف سيارات تنزيل البضائع بالقرب من البوابة الرئيسة، إضافة إلى ضرورة الاهتمام أكثر بنظافة المأكولات و«المقاهي»، ورش الحدائق والكتل بالمبيدات الحشرية بسبب انتشار الحشرات بشكل كبير في المدينة.

طباعة

عدد القراءات: 2