لم تمضِ أيام قليلة على اعتراف وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بأن «صفقة القرن» لن تكون قابلة للتنفيذ، ولا يمكن الموافقة عليها لأنها لا تكتسب أي دعم ليأتي اعتراف آخر ومن شخصية وازنة من عيار نيكي هايلي السفيرة السابقة لأمريكا في الأمم المتحدة لصحيفة «إسرائيل هيوم» لرفع منسوب المعنويات المنخفضة في الشارع الصهيوني على إثر تصريحات بومبيو الواقعية، معترفة أن الصفقة الموما إليها والمزمع عقدها قادمة، وتقوم في الأساس على حفظ أمن «إسرائيل»، ولا تهتم بأي شيء آخر، وأن أمن «إسرائيل» فوق كل شيء، وفوق كل اعتبار بالنسبة لإدارات الولايات المتحدة الأمريكية المتعاقبة ولاسيما إدارة دونالد ترامب..
تصريحات هايلي الواضحة والوقحة لتسمع من في أذنه صمم من بعض العربان ومشيخات الخليج الذين يطبلون ويزمرون لزرع «إسرائيل» في الجسم العربي مرة عبر مشروعات اقتصادية، ومرة بـ «ناتو» عربي، ومرة عبر نشاطات رياضية.
من السذاجة أن تتعامل واشنطن ومن يدور في فلكها من مشايخ وعربان مع القضية الفلسطينية الحق على أنها مجرد صراع اقتصادي فقط، بل حصر هذا الصراع بخدمات معيشية، برغم أهميتها للفلسطينيين، وإن كانت في الحقيقة هي نتيجة الاحتلال الصهيوني والحصارات المستمرة والإجراءات القسرية الدائمة من نهب ممتلكات وتجريف أراضٍ وسرقة مياه.. الخ.
اعتراف هايلي يوثق بما لا يدعو للشك إفراط ترامب في الانحياز المطلق إلى حليفه وشريكه نتنياهو من أجل كسب الانتخابات الرئاسية الأمريكية الثانية التي ستنطلق رسمياً اليوم الثلاثاء 18 حزيران من مدينة أورلاندو في «ولاية فلوريدا».. وتفريط موصوف ومشهود بحقوق الفلسطينيين، فهو بالأمس اعترف بالقدس عاصمة لـ«إسرائيل» ونقل سفارة بلاده إلى القدس، وأسقط قضية اللاجئين عن طاولة المفاوضات، وأغلق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما شرعن الاستيطان في الأراضي الفلسطينية، وقطع الماء والهواء عن «إنروا» ومارس إرهاب الدولة على أي دولة تقف أو تصوت لمصلحة القضايا الفلسطينية العادلة في المحافل الدولية.
لاشك في أن الهيمنة الصهيونية على القرار في واشنطن وتبعية نظم عربية لها حولت كثيراً منها إلى «كيانات وظيفية» مهمتها تمويل وتسويق الصفقات تحت ذرائع واهية، لكن الثبات على المواقف، والتمسك بالمبادئ والحقوق، ورفض التنازل لا يحتاج إلى أموال طائلة وسلاح حديث، بل إلى الإرادة والثقة بالنفس والحقوق، ولنا في محور المقاومة أسوة حسنة.

print