مقولة اشتهرت في الحياة الأمريكية التي تنضح بثقافة شعبوية قائمة أساساً على مبدأ إبادة شعب وتهجيره بهدف الاستيلاء على خريطة حضوره ونسبها للأقوى، الذي استوطن واحتلّ الأرض لتصير فيما بعد أمريكية.
الرجل الأضخم في الحي
انتقلت لتكون الشعار الأول للسياسة الأمريكية، التي ترتكز على عنصر الهيمنة لتكون، أينما حلت، «الرجل الأضخم».
والعالم اليوم على شفا حفرة من التحول من نظام أناركي «فوضوي»، تغيب عنه السلطة المركزية، وتديره مركزية قطب واحد، تجلى عقوداً طويلة بقطب واحد تمثله القوة الأمريكية، إلى عالم تثبّت فيه قوى عظمى أخرى حضورها الممنهج على الساحة الدولية؛ فروسيا استطاعت مجابهة الوجود الأمريكي من خلال دأبها على الإضاءة على أفعاله ونفوذه بندّية قوة عظمى تضاهي القوة الأمريكية، وهناك أيضاً الهند، الدولة الصاعدة اقتصادياً، والصين الـ«بعبع» الأكبر، التي تقضّ مضجع البيت الأبيض، ويجنّد من أجلها جميع أدواته السياسية للحدّ من نموّها وظهورها كقوة يمكن أن تثبّت أحد أكتاف «الرجل الأضخم» بحركة دولة صاعدة كانت (قانعة مؤقتاً) لكنها ما عادت كذلك..
تسلل الحضور الهندي –آنياً- ليس بالمهم للساسة الأمريكان قدر الاهتمام بالحضور الصيني المخيف لدولة تطمح لتأبيد قوتها على رأس نظام دولي بقيادتها، نظام سعى بكل قوته لتحقيق هيمنته السياسية بارتكابه وحتى الآن كبائر أخطاء، أخطاء مكّنت روسيا من إعادة ترتيب أوراقها وخلطها على الساحة الدولية.
«ميرشايمر» الضابط أولاً في سلاح الطيران الأمريكي، والأستاذ ثانياً في العلوم السياسية، يعترف بأخطاء جمّة ارتكبها النظام السياسي في واشنطن، ظناً من هذا النظام أنه يمكن أن يصل إلى الهيمنة العالمية، لكنه يؤكد نظرية البنتاغون المعتمدة، التي تقول: «يجب ألا تسمح لمنافسك بإظهار نفسه».
لذلك، وتحت هذا العنوان، يمكن تحليل أفعال وردود أفعال السياسة الأمريكية كلها، فالولايات المتحدة، وعلى حدّ تعبير «ميرشايمر» المنظّر الهجومي«..لا تقلق بالمطلق من اعتداء الغير عليها، لأن لديها الكنديين في الشمال، والمكسيكيين في الجنوب، والسمك شرقاً وغرباً.. لكن من أجل المحافظة على البقاء لابد من أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية «المهيمنة» على النظام العالمي، وألا تقنع فقط بأن تكون صاحبة الهيمنة في إقليمها، بل يجب أن تمنع أي دولة من إحكام سيطرتها على محيط إقليمها، لأن هذا يعني أنها ستكون جاهزة لتوسيع دائرة نفوذها».
إذاً، الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية واضحة، منكّهة بسلوكيات ترامب الذي لا ينتمي لأي تيار فكري فيما عدا اعتناقه سياسة السمسار الذي يمارس فيها «بورصة مواقف»، لكنه محكوم بقواعد البنتاغون، التي منها «لا تسمح لمنافسك بإظهار نفسه».
لذلك، هي تجتهد «لاحتواء» الصين كدولة صاعدة، وتشتبك مع إيران الدولة الإقليمية المؤثرة في الساحة الدولية، ما يفسّر تعاظم جنونها، ورد فعلها الأخير بتقديم مشروع أمريكي يحذّر «إسرائيل» من الاستثمارات الصينية في ميناء حيفا –حسبما ذكرت صحيفة «هآرتس»- بينما تسارع بتوجيه أصابع الاتهام ضد إيران، بتحميلها المسؤولية عن الهجمات ضدّ ناقلتي النفط في خليج عُمان.
إشارات ومؤشرات تحيلنا للتريث قبل تحليل الصورة المخرجة للنظام العالمي الجديد: فهل سيتحوّل ليصير ثنائياً أم متعدد الأقطاب؟
لتنتهي بذلك أسطورة «الرجل الأضخم في الحي».

print