ما بعد الحدس هي المساحة التي يهيمن عليها الزمن الموضوعي للبرهان، نخرج من (ز 0) إلى (ز1،ز2،ز3…) لكن لا أحد يتأمّل في هذه التخوم، ما بين (ز0) و(ز1) ربما بات واضحاً أنّ عدد المقدمات المفترضة في الزمن الموضوعي للبرهان لا نهائية، لكن لنحسب البرزخ الزمني بين زمن الحدس وزمن البرهان. عادة في التخوم نجدنا أمام أزمة تعريف، فنهاية الحدس وبداية البرهان لهما قيمتان نسبيتان، فهي إزاء الحدس تمثّل أدناه وإزاء البرهان تمثل أعلاه. يستمر البرهان ويسعفنا الحدس في البدايات، لكن إذا أطلنا في طلب المقدّمات يتبلّد الذّهن ولن نخرج من المقدّمات قطّ وإن خرجنا تكون النتيجة قد تشوّهت وهيمن عليها الجمود.
لكن في البدايات يكون للحدس حضور بحيث يسعف من ساعدته الرغبة للمعرفة أن يقفز كما هو سائر البرهان، فهو يبدأ بحدس افتراضي وينتهي بحدس استقرائي، فالحدس يقدح الرغبة في الاستنتاج واختبار الفرضية التي تولدت عن حدس ولكنه ينتهي بقفزة استقرائية يفرضها الحدس على سير البرهان، ففي نهاية المطاف لا بدّ من قفزة لا يمسكها البرهان.
تأتي هنا إشكالية تحديد اللحظة البرزخية ما بين الحدس والبرهان، فهل هي حدس محض أم برهان محض أم شيء من هذا وذاك؟
في هذه التخوم تتبلور إرادة أخرى للمعرفة وفق شروط مختلفة ومستوى من مستويات الرّغبة، هنا مخاض عميق، حالة انتقالية واضطراب وتردد. هنا أو بين الحدس والبرهان يتحدّد مصير الرغبة نحو الحقيقة والاستعداد لإدارة وتدوير المقدّمات. ولأنّ المنطق معنيّ بقياس المقدمات والأقضية فهو عاجز عن تحليل هذه التخوم، فأين يا ترى ولأي اختصاص وجب إرجاعها؟
لا شكّ في أنّ علم النّفس هو المعنيّ بتحليل أزمة التخوم وعقدة الانتقال وجملة الانحرافات التي تصيب النفس المفكرة في حال انتقالها بين لحظتين تختلفان في الشروط الزمنية ونمط المعرفة واللغة. هذا الانتقال عادة ما يصاحبه إحساس بالضحالة أو الصدمة أو القلق أو الاغتراب، فالمعرفة تتولّد من هنا وهي تحمل أعطاب هذا الاغتراب الذي يسم مسالك البرهان وملامح الضغط الذي تعمل في ضوئه مسالك الأدلّة. والواقع أنّه لا علم النفس ولا المنطق أمكنهما الإمساك بهذه اللحظة المتاخمة، لحظة تولّد الرغبة البرهانية للمعرفة. الفجوة المعتمة، المخاض الصّعب وأيضاً التحدّي الذي يجعلنا ننظر إلى المنطق نظرة علم لم يستوف كل مزاعمه.. فلئن كانت غاية هذه الصناعة هي صيانة الفكر من الخطأ، فعن أي أخطاء نتحدّث وفي أي منعطف من المنعطفات ما قبل قوانين الصناعة نتحدث إذا كان الخطأ يولد أحياناً وربما بشكل جذري في هذه المنطقة المتاخمة؟
هل نحن إذاً نضع موازين منطقية لصيانة الفكر من الخطأ المقدّماتي من دون رصد الخطأ المحتمل في لحظة المخاض.. ومن يصون الفكر من الخطأ في أصل ولادة البرهان؟
ندرك أنّنا إن أخطأنا في المقدمة الأولى فما بنيّ على الخطأ كان خطأ وإن بدا أكثر التزاماً بمعيار العلم،فما بالك إن كان الخطأ قبل ولادة المقدمة الأولى.. وربما أمكننا القول أيضاً: إنّ الخطر قد يتربّص بالفرضية هنا ويدخل عليها بعض التشويه فتكون الفرضية نفسها مشوبة بآثار المخاض وتفقد قدرتها الإيحائية، وهو ما أسميه بالفرضيات الجامدة التي تفقد قدرتها التأثيرية أيضاً. فكما أنّ النتيجة تفقد طراوتها بسبب الاستقراء المقدّماتي وتستنزف جودتها بالرهق البرهاني، فكذلك الفرضية في لحظة التحول من شروط الحدس إلى شروط البرهان، إنّ المعرفة بعد قطع كلّ هذه المسارات المعقّدة تفقد قيمتها الوجودية وبعدها الجمالي وجودتها المنطقية، وهنا يكمن سرّ شقاء الإنسان في ضوء الأنماط الهجينة للمعرفة، وهنا الحاجة إلى علم نفس مرضي للذّات المفكرة، انطلاقاً من هذا المخاض التأسيسي، ففي هذه التخوم نحن في حاجة إلى منطق «كوانتوم» المعرفة، له شروط مختلفة في التأثير والقياس والرغبة. ولا أستبعد حتّى الآن أنّ الأبعاد المتعددة لكائن سبق أن عرّفناه بكائن يمتاز بـ«التخارج النّوعي» له دخل في تعدد مقاربات الزمن المعرفي.. هنا تدخل سيكولوجيا الزمن، علم نفس الزمن، وكيف يتعاطى الكائن مع تخارجاته الزمنية: ما قبل وحين وما بعد المعرفة، زمن موضوعي وآخر ذاتي مندمج في وجود الظاهرات، زمن سويّ بلحاظ الموقف النفسي وآخر زمن مرضيّ، وتلك حكاية أخرى..
كاتب من المغرب

print