يترقب الجميع، المؤيدون والمعارضون، مساء 26 حزيران الجاري، ليستمعوا إلى المؤتمر الصحفي الختامي لقمة المنامة التي يُقال إنها خطوة عملية مهمة باتجاه ما يسمى «صفقة القرن».
يزداد عدد المشاركين في القمة بخجل، لكن المقاطعة الفلسطينية الرسمية ذات النبرة المرتفعة، تشغل الكثير من المحللين، حتى إن بعضهم رأى فيها تمرداً على الإرادتين الأمريكية والسعودية ولكن الرفض الفلسطيني إذا لم يقترن بخطوات على الأرض سيبقى في إطار حفظ ماء الوجه.
المشاركة القطرية في حد ذاتها لافتة للنظر، في ظل العلاقات المقطوعة بينها وبين السعودية والإمارات، ويرى الكثيرون أن هذه المشاركة تعبر بوضوح عن الدور الأمريكي الذي يمسك بكل خيوط اللعبة الخليجية، وأن إرادته في الخليج لا رادَّ لها.
ما زال التردد الأردني والمصري يثير التكهنات، وتأتي زيارة صهر الرئيس ترامب إلى الأردن لتقول إن الولايات المتحدة تضغط على الأردن للمشاركة في القمة، برغم قناعتي الشخصية بأن الأردن لا يملك الأثر السياسي ولا الإرادة المستقلة للغياب، وإن سمحت له الولايات المتحدة بالغياب، فإن ذلك سيكون مزيجاً من حفظ ماء الوجه، والتأكيد على تلاشي أي دور أردني فعّال في المشروع الأمريكي الجديد.
يختلف الحال بالنسبة لمصر، فمشاركتها في اجتماع المنامة تعد مهمة لمعظم الأطراف، فمصر هي الدولة العربية الأكبر، كما إن لها دوراً مرسوماً تجاه قطاع غزة. وحال مصر لا يختلف كثيراً عن حال الأردن، ففي ظل الضغوط والأزمات الاقتصادية، ستجد نفسها مجبرة على الانصياع للرغبة الأمريكية -السعودية المشتركة، لكن مستوى المشاركة، سيعبر عمّا يدور في خلد القيادة المصرية.
أما المعارضون للاجتماع فتضج وسائل الإعلام ومنابر التواصل الاجتماعي بتعليقاتهم وتحليلاتهم النارية، ومعظمهم يخطط لمؤتمرات ومهرجانات خطابية تدين الاجتماع ونتائجه، لكنها ستبقى في إطار تسجيل المواقف، ولن تسمن ولا تغني من جوع، كما حدث عند الاعتراف الأمريكي بالقدس «عاصمة» للكيان الإسرائيلي، ثم إعلان ترامب المشؤوم بشأن الجولان السوري المحتل.
قد يتساءل معارض محتد ماذا في أيدينا لنفعله، أمام جبروت الولايات المتحدة الأمريكية وأموال الخليج، غير الصمود على مواقفنا؟ للإجابة عن هذا السؤال المنطقي، لا بد من الوقوف أمام مجموعة من الحقائق:
أولاً: إن الاجتماع المزمع عقده في البحرين هو جزء من مشروع رأسمالي كبير، بدأ بعد الانهيار المالي عام 2008، ويقوم على استعادة الرأسمالية شكلها التقليدي القائم على إنتاج البضائع وبيعها، وتالياً لا بد من فرض إرادة الرأسمالية على شعوب العالم بالقوة، بل وبالقوة الغاشمة، كما حدث ضد العراق وسورية وليبيا وفنزويلا واليمن بغض النظر عن مستوى النتائج.
ثانياً: إن النظام الرأسمالي الجديد معنيّ بإعادة تشكيل جغرافيا العالم، بما يتناسب مع مصالحه ويضمن فرض الحصار على خصومه الاقتصاديين في ظل غياب الخصوم السياسيين الذين يشكلون تهديداً لوجوده، كما كان الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية، وتشكل الصين الخصم الاقتصادي الأبرز، تليها الاقتصادات الصاعدة في روسيا والهند والبرازيل والأرجنتين وإيران.
ثالثاً: إن الدول التي أخذت على عاتقها التصدي الجذري للمشروع الرأسمالي الجديد، تجد نفسها مضطرة إلى دفع ثمن باهظ من استقرارها، واقتصادها ودماء أبنائها، في سبيل هذا التصدي، وتتصدر سورية وإيران وفنزويلا هذه الدول، تساندها القوى الوطنية المقاومة كحزب الله، وأنصار الله، وقوى المقاومة الجذرية الفلسطينية، وبعض الأحزاب اليسارية في العالم.
رابعاً: إن الدول والقوى التي تتصدى للمشروع الرأسمالي استطاعت تحقيق انتصارات تقترب من المعجزات، في ظل اختلال ميزان القوى، طبعاً من دون الانجرار إلى فكرة ساذجة مفادها أننا هزمنا الرأسمالية، لكننا من دون شك أفشلنا الشق العسكري من مشروعها، وهذا واضح في اندحار حلفائها على أرض سورية، وتراجع الولايات المتحدة عن مخططاتها لغزو فنزويلا، وأخيراً هرولة سفنها وبوارجها هاربة من الخليج.
أتوقف هنا عند تساؤل يدور في خاطري، هل كانت الانتصارات التي نراها اليوم نتيجة صمود لحظي فرضته المعركة، أم إنها نتاج لمشاريع حقيقية نُفذت على الأرض، من دون التقليل من تضحيات من ضحّوا، خاصة أبطال الجيش العربي السوري وحلفاءهم الذين خطّوا ملاحم تاريخية في حرب أصِرّ على تسميتها الحرب الوطنية العربية الكبرى، والمتبصر بالأمور يرى أن هذا الصمود يقف على أقدام ثابتة، صنعتها مشاريع بناء دول حقيقية.
في سورية، وبعد حرب تشرين التحريرية عام 1973، رفع القائد المؤسس حافظ الأسد شعار التوازن الاستراتيجي مع العدو، وهو الشعار الذي فسره الكثيرون تفسيراً عسكرياً بحتاً، لكن عجلة الاقتصاد السوري دارت بسرعة قياسية، واستطاعت سورية تحقيق اكتفاء ذاتي في الكثير من المجالات الحيوية وعلى رأسها الغذاء، وإلى حد كبير الدواء، وبُنيت منظومة نقل متطورة، وانتشر التعليم والجامعات، وهو المشروع الذي استكمله الرئيس بشار الأسد، إذ أصبحت سورية قوة اقتصادية يعتدُّ بها، ناهيك بتنامي قوتها العسكرية، وتحالفها مع قوى المقاومة، ما منحها دوراً سياسياً مهماً في كل الملفات المتعلقة بالمنطقة، خاصة الملف الفلسطيني.
نهجت إيران بعد الثورة الإسلامية، نهجاً مماثلاً، فبنت دولتها الحديثة على قاعدة مشروع وطني يقوم على الاعتماد على الذات، وفك التبعية التي أرسى دعائمها نظام الشاه مع القوى الاستعمارية، وحولت أزمة الحصار الغربي الرأسمالي إلى فرصة لتحقيق التنمية المعتمدة على الذات، وأصبحت لاعباً إقليمياً أساسياً في جميع الملفات الاقتصادية والسياسية.
أما المقاومة الوطنية اللبنانية بقيادة حزب الله، فامتلكت مشروعاً واضح المعالم يقوم على تحرير الأرض، معتمدة على حاضنتها الشعبية المحلية، ومستعينة بتحالفاتها مع سورية وإيران وقوى المقاومة الأخرى، واستطاع هذا المشروع تحقيق النجاح، وإعادة كتابة تاريخ المنطقة في مناسبات عدة، أهمها تحرير الجنوب عام 2000، وصد عدوان تموز 2006.
تحالفت هذه القوى الثلاث على أرض سورية وهزمت المشروع الرأسمالي الذي عاد، بعد هزيمته العسكرية، ليطل برأسه من جديد من اجتماع المنامة، محاولاً أن يحقق بالاقتصاد ما فشل في تحقيقه في ساحات القتال… لن يجدي الصراخ والعويل والإدانة، فللحروب ميادينها، وحرب اليوم ميدانها الاقتصاد.
المطلوب اليوم عقد مؤتمر اقتصادي، في التوقيت نفسه والموعد نفسه، وفي عاصمة المقاومة دمشق، يكون شعاره «بالمقاومة نصنع الاستقلال والازدهار». وعلى هذا المؤتمر وضع استرتيجيات بناء اقتصاد قوي مقاوم، يحقق التكامل بين اقتصاديات دول محور المقاومة وحلفائهم، ويرفض ضغوط توفير الكماليات، لمصلحة وضع بنية تحتية متماسكة في المجالات الاستراتيجية وأهمها: الغذاء والدواء، النقل، الطاقة، التعليم، والتكنولوجيا، ووضع خطط، قابلة للتطبيق، على المدى القصير والمتوسط، إضافة إلى خطط استراتيجية طويلة الأمد، تقوم جميعها على إعادة الاعتبار لدور الدولة الجوهري في المجالات الاقتصادية، والاستراتيجية، واعتماد سياسات نقدية تحد من تأثير الضغوط والعقوبات الرأسمالية، كالتبادل بالعملات المحلية، أو اعتماد نظام المبادلة بين السلع.
إن عقد مؤتمر كهذا بأجندة ومشاريع قابلة للتطبيق، وإطلاق هذه المشاريع، كفيلان بجعل العيون المجتمعة في المنامة لا تنام.
كاتب من الأردن

طباعة

عدد القراءات: 2