قد لا يكون غريباً أن تكون النسبة الأوسع بين من لا يقرؤون الصحف هي من جيل الشباب، وإذا كانت النظرية تقول: إن المشكلة في المنتج وليس في الجمهور، فهل يمكن أن ينطبق هذا على طلاب الإعلام؟
لم نعثر على طالب إعلام يتابع أياً من الصحف الثلاث أو وسائل الإعلام السورية بشكل عام، علماً أن هذا يجب أن يكون من ضمن أدوات دراسته، وهذا لا يقتصر على الطلاب فقط بل يشمل أساتذتهم أيضاً.
أغلبية من التقيناهم في استطلاع الرأي كانوا يتحدثون عن وجود بديل يقدم لهم كل ما يريدونه وهم في الطريق أو مستلقين، مشيرين إلى الجوال الذي يحملونه في أيديهم، ويرون أن وسائل التواصل الاجتماعي تقدم لهم الخبر بطريقة أكثر جاذبية لأنه أكثر جرأة وسرعة، وهناك من لا يجد غضاضة في الحديث عن حاجته للصحف لكي يستخدمها كـ «مماسح» للزجاج!

لا يقرؤون..لا يهتمون
رئيس الهيئة الإدارية في كلية الإعلام /محمود/ وهو طالب إعلام سنة ثالثة يؤكد أنه لا يقرأ الصحف، ويتابع عن طريق الإنترنت على جواله الأخبار التي تهمه وفي مقدمتها الرياضة.
يضيف الموظف فريد ديوب أنه لم ير أي صحيفة سورية منذ زمن طويل، فادي يدرس لغة عربية لكنه لا يتابع الصحف إطلاقاً ولا يشتري جريدة ولا يعرف شيئاً عن محتويات الصحف، واهتماماته الإخبارية تنحصر في الرياضة، وكل ما يريده منها يجده على الإنترنت.
أما الموظفة سوسن فتقول: إنها كانت تشتري صحيفة تشرين سابقاً، أما حالياً فإنها لا تتابع أي شيء لأن الظروف والأوضاع تغيرت، ولم تعد تهتم بمتابعة الصحف، وفي السابق كانت تتابع المنوعات والصفحة الأخيرة.
أما يارا- طالبة دكتوراه في الاقتصاد فتتابع الأخبار عن طريق التكنولوجيا، وترى أنه لم تعد هناك حاجة للورقي، وأنها تتجنب متابعة الأخبار عموماً لأنها تتعبها.
بينما طالب الجامعة سمارة لا يرى حاجة لأي وسيلة إعلامية سواء كانت صحفاً أوتلفزيوناً أوغيرها، لأن كل ما يحتاجه من معلومات يحصل عليه عن طريق الإنترنت أو عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي، وبشكل سهل وسريع، مؤكداً «بكل ثقة» أنه لم يتصفح أي جريدة خلال حياته، رغم أنه طالب اقتصاد، ومع ذلك فإنه لا يكترث بوجود صفحة اقتصادية في الصحيفة، بل لا يعرف إذا كان هناك صفحة اقتصاد!
لا تضيف جديداً
وإذا كان هذا الكلام ينطبق على شريحة واسعة من جيل الشباب الذين يعاصرون عالم التكنولوجيا ويستاؤون حتى من متابعة المطلوب منهم في كتبهم الجامعية، فإن هذا الحال يختلف عند شرائح أخرى من الفئة المتوسطة التي يمكن وصفها بـ «جمهور الصحف»، ولكن لهذه الشريحة أيضاً مآخذ كثيرة على مضمون الإعلام عموماً، والمطبوع، ومنه تشرين، خصوصاً.
في متابعة استطلاع الرأي ذكر أحد الإعلاميين المستقلين أنه لا يمكن فصل تشرين عن بقية المنتج الإعلامي الآخر، وأن الجمهور يتعامل مع وسائل الإعلام المحلية كمصدر للرسائل التي تريد الحكومة توجيهها للناس، وغير هذا لا يوجد تأثير للإعلام المحلي بما فيها تشرين على القراء، لأنه هل يمكن لتشرين وسواها أن تنشر معلومات في السياسة تضيف جديداً للقارئ؟ وهل يمكن أن تتقدم حتى على أخبار «الفيس بوك»؟
مثلاً يريد القارئ أن يعرف طريقة وآلية إصدار القرارات الاقتصادية، ولمصلحة من، ومن هي اليد الضاربة في القطاع الخاص، فهل يقدم له الإعلام المحلي إجابات عن هذه الأسئلة؟
هل يمكن أن نقرأ في «تشرين» معلومات عمن هم حيتان الاقتصاد في سورية وكيف يؤثرون في اتخاذ القرارات؟
هل يمكن أن تقدم «تشرين» معلومات حقيقية عن أسباب تدني الدخل في سورية سواء قبل الحرب أو خلالها؟
هل يمكن أن نقرأ يوماً مواد تطرح إشكاليات تتعلق بالفوارق غير المنطقية التي سببتها طريقة إدارة الاقتصاد، مثلاً أن يكون راتب الأستاذ الجامعي 100 ألف ليرة، بينما تكاليف حفلة صغيرة لابن مسؤول قد تفوق الملايين؟
نريد معرفة أين ذهبت الأموال السورية في الحرب، ولاسيما من قبل المسؤولين، هل تجيب «تشرين» وغيرها عن أسئلة كهذه؟
إذا كان هذا حال الاقتصاد، فماذا نقول عن السياسة، حيث تصبح الرقابة أكثر صرامة، وتنتج عنها نمطية تجعل المنتج النهائي غير مقنع لأي قارئ، وحتى عند الرغبة في معرفة معلومات بسيطة مثل واقع الأحزاب المرخصة في سورية وعدد أعضاء كل منها. يضيف متابع آخر يقلب جريدة «تشرين» في مقهى «الهافانا» في دمشق أن منشورات «الفيسبوك» أكثر شجاعة وملامسة للواقع من الإعلام الرسمي، فهل يمكن أن نعرف عند متابعة الإعلام الرسمي بكل أنواعه أسباب بقاء المشكلات ذاتها رغم تغير المسؤولين، وهذا ينطبق أيضاً على أداء وزارة الإعلام، فما عدد الوزراء الذين تعاقبوا على هذه الوزارة ومن دون أن نلمس أي فرق جوهري في الأداء؟!
بينما يعتقد أبو فراس الذي يرشف آخر ما تبقى في كأس العصير عند أحد المحلات أنه عندما يذيع صيت أي مادة تنشر في «تشرين» أو بقية الصحف يتبين أنها كسرت القالب النمطي للممنوعات السائدة، كما حصل عند نشر موضوع يتحدث عن عدد السيارات التي يمتلكها وزير الصحة، أو تكاليف المعيشة كإحصائية صادرة عن المكتب المركزي للإحصاء، ويمكن وصف هذه المواضيع بـ «النافرة».
يحتاج الكثير
خازن غرفة تجارة دمشق محمد الحلاق يمثل جانباً لا يستهان به من الفعاليات الاقتصادية في هذا البلد، وعند التحدث إليه أكد أنه بداية لا بد من الإشارة إلى أن هناك تطويراً ملحوظاً في الإعلام الاقتصادي خلال الفترات الأخيرة، لكنه مازال بحاجة إلى الكثير من الجهود من أجل أن يواكب التطورات الحديثة من ناحية مخاطبة العقول وتبيين الحقائق ومعرفة واقعنا بشكل حقيقي، وأنه من الملاحظ تطوره ومتابعته للكثير من المستجدات ولكنه يبقى قاصراً بعدة أمور.
أضاف الحلاق: لا بد من أن نفرق بين الخبر الذي يتم نقله، والبحث الذي يقوم به الإعلامي: فالأول تكمن مشكلته في حضور واستماع الإعلامي فترة قصيرة من دون إعطاء الموضوع الوقت الجيد، وهذا ما نلاحظه عند افتتاح أي جلسة حيث يوجد العديد من الإعلاميين الذين يبدؤون بالتناقص بعد فترة قصيرة، لأن عملهم يقتصر على نقل خبر الافتتاح وأسماء بعض الحضور وذكر الموضوع من دون الغوص في مجمل أحداث الجلسة والاستماع لآراء الحضور ومداخلاتهم التي تكون في كثير من الأحيان أهم مما يقدمه أصحاب الفعالية، إذ إن المداخلات التي تتم هي تجارب إيجابية وسلبية، وهي محور مهم في هذه الجلسات في رأيه، فبمعالجة هذه السلبيات وتصحيحها نصل إلى الوضع الأمثل.
أمر مختلف
يضيف الحلاق: أما البحث الذي يجريه الباحث فأمره مختلف، حيث يقوم الصحفي وفي بعض الأحيان بالتعاون مع أحد زملائه باختيار موضوع ومن ثم سؤال أهل الاختصاص عنه من باحثين وأصحاب عمل وموظفين حكوميين الخ.
ومن خلال اطلاعه على الكثير من هذه الأبحاث وجد أن أغلبها قد أحاط بمجمل الأمر لكنه لم يؤدِّ الغرض منه، وبقي البحث من دون وضوح لما يجب أن يتم، وذلك لعدة أسباب: أهمها عدم قناعة أصحاب القرار بأن هذا البحث هو من أجل تبديل الدفة التي يعملون بها.
ثانيها أن الباحث بقي حائراً بين أصحاب المهن والأكاديميين، ولم يستطع أن يتبنى وجهة النظر أو أن يبدي رأيه بشكل مختصر وفاعل، وأكد أن الكثير من الأبحاث التي تابعها كانت مكتملة، لكنها لم تخرج من الصحيفة نظراً لعدم قناعة أطراف المعادلة بها.
ورأى أنه من أجل تطوير حقيقي، يجب أن تتم دعوة هذا الصحفي للجهة صاحبة العلاقة (ولا يمنع وجود أصحاب الرأي أيضاً ممن تمت استشارتهم في هذا الأمر)، وتالياً مناقشة ودراسة هذا البحث من قبل أصحاب القرار معه، ومن ثم إلحاق البحث بخبر صحفي يبين ما تم الوصول إليه، والقرارات التي صدرت بعد دراسة هذا البحث… ويعتقد الحلاق أن هذا الأمر سيؤدي إلى زيادة التشاركية بين جميع أطراف العلاقة، وسيشجع زيادة الأبحاث، حيث سيشعر الصحفي باهتمام الجهات المعنية بهذا الأمر وهو ما سيشجعه وزملاءه باتجاه التطوير وزيادة الجهود المبذولة من أجل الوقوف على الحقائق وعقلنة البحث أكثر فأكثر.
ولأنه لا يمكن التغاضي عن رأي الباحثين الاقتصاديين بأداء الإعلام عموماً وتشرين خصوصاً قصدنا أستاذ المحاسبة الضريبية في جامعة دمشق الدكتور ابراهيم العدي للاطلاع على رأيه فأكد في بداية حديثه أن الإعلام السوري مثل الاقتصاد السوري فاقد للهوية وخير مثال برامج رمضان الحالية.
أضاف د. العدي أنهم يتحدثون منذ نحو ثلاثين عاماً عن تخلف النظام الضريبي وأنه غير فعال، وعفا عليه الزمن، ويجب تغييره، لكن لم يتغير شيء، وكل ما حصل أنه كسب عداوة وزراء المالية المتعاقبين.
ورأى أن بعض أصحاب القرار يعد الإعلام وكلام أساتذة الجامعات شكلاً من أشكال الدراما، فلم يستفد من آراء أساتذة الجامعات ولا من الدراما في الأعوام السابقة.
وعن «تشرين» خصوصاً ذكر د. العدي أن «تشرين» هي الوسيلة الإعلامية المهتمة بقضايا الوطن والمواطن، ودائماً تنشر قضايا مهمة ومؤثرة منذ عقود، ونتمنى أن تصل الآراء البناءة لأصحاب القرار للمساهمة في عملية الإصلاح الاقتصادي والإداري التي رسم خطوطها العريضة السيد الرئيس بشار الأسد.
ويعتقد أن أمراض الاقتصاد السوري المزمنة لا تمكن معالجتها إلا بالتعاون مع (مشفى الاقتصاد) ويقصد بذلك كلية الاقتصاد التي تضم جميع الاختصاصات لمعالجة جميع الأمراض الاقتصادية الوراثية والمزمنة، وحتى الزكام الاقتصادي الذي تعانيه بعض الوزارات ذات العلاقة بالاقتصاد، لأن العلاج بالطب الشعبي والرقى وقارئة الكف أثبت عدم جدواه!
عمق أكثر
عميد كلية الاقتصاد الدكتور عدنان غانم يؤكد أنه يتابع المواضيع الاقتصادية في الصحف لكن ليس يومياً، ويرى أن بعض المواضيع يجب أن تطرح بعمق أكثر ولاسيما المواضيع الاقتصادية، منوهاً بضرورة وجود مستشار اقتصادي أو صحفي متخصص بالشأن الاقتصادي للإشراف على الصفحة، مثلاً المواطن العادي لا يفهم مصطلحات اقتصادية مثل «الناتج المحلي – معدلات الادخار»، لذلك يقول: إن المادة الاقتصادية تكتب بشكل سطحي لكن هذا الأمر ينطبق على بعض المواد وليس كل المواد الاقتصادية بالتأكيد.
وأشار إلى أن المواد التخصصية تحتاج عمقاً أكثر في الطرح والمعالجة، برغم أن بعض المواد تلامس المواطن، لكنها لا تنعكس إيجاباً عليه في الوقت ذاته، مثلاً عندما يناقش مجلس الوزراء في جلساته الأسبوعية قضايا اقتصادية لا يعرف المواطن ما تتم مناقشته، وكيف تتم معالجة الأمور، وما انعكاسات تلك القرارات على المواطن.
وعن صحيفة «تشرين» قال د. غانم: إن محتوى موادها يلامس هموم المواطن لكن يجب أن تكون أكثر عمقاً، سواء كان الموضوع له علاقة بعمل حكومة أو أي قرار صادر عنها، فمن حق المواطن أن يفهم ماذا تعمل الحكومة وكيف؟
ويرى أن الصحافة تعتمد على عناوين الأخبار من دون الخوض في عمقها، وفي بعض الأحيان تدخل في قضايا فساد لحماية فاسدين، حيث يتم التحدث مثلاً عن أرباح مؤسسة في الوقت الذي تكون فيه تلك المؤسسة خاسرة.
أقرب للشارع
أما نائب عميد كلية الاقتصاد الدكتور أحمد صالح فيرى أن الفكرة الرئيسة تتلخص في أنه يجب أن تكون الصحافة أقرب للشارع من أجل توضيح العمل الحكومي، لأن المواطن العادي ليس بصورة العمل الحكومي بكل تفاصيله وأبعاده، فهناك تحديات كبيرة على مستوى الحكومة، والمواطن ليس بصورتها، لذلك يتشكل لدى المواطن نوع من التذمر، وعدم فهم الصورة كاملة، وكمثال موضوع المشتقات النفطية، فكان على الصحافة أن تضع المواطن بصورة الأسباب بشكل أشمل وأوسع، وبشفافية أكبر حتى يتعاون المواطن أكثر مع تلك القضايا.
ويرى أن جريدة «تشرين» عموماً تلامس هموم المواطن وهي قريبة من الشارع لكنها تحتاج عمقاً وتخصصاً أكثر، ولاسيما القضايا التي تتعلق بالهم العام.
ويؤكد أن لـ «تشرين» اسماً ومكانة في قلبه منذ صغره، حيث كان يتابع زاوية آفاق – الصفحة الأخيرة – الصفحة الاقتصادية – الافتتاحية التي كان يكتبها أشخاص متخصصون يعكسون الواقع الموجود على الساحة المحلية أو الإقليمية والدولية، لذلك أقول: إنّ الصحافة جزء من ثقافتنا الشعبية والأكاديمية، وجزء من تراثنا أيضاً.
ويرى أن هناك قضايا بحجم وطن، والانتصار هو الوعي، فإذا لم نحقق الوعي لا نستطيع أن ننتصر، ولو كنا نملك كل جيوش العالم، وربما ينقصنا جانب الوعي والدليل أن جزءاً كبيراً من شعبنا وشعوب المنطقة تم التأثير فيهم بالإعلام، حيث انتصروا علينا إعلامياً من دون أن يطلقوا رصاصة واحدة، لأن للإعلام دوراً كبيراً في تشكيل الوعي وتشكيل المستقبل.
المفاجأة
كان اللافت أيضاً أن رأي عميد كلية الإعلام الدكتور محمد العمر لا يختلف كثيراً عن طلابه، فهو يتصفح عناوين الصحف أحياناً، ويتابع الجديد عن طريق المواد التي تنشر عموماً على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويعزو الأمر إلى هيمنة الإعلام الإلكتروني على المطبوع، ولكنه استدرك بالقول: إن هذا لا يعني أن صحيفة «تشرين» في تراجع، بل هي رائدة مقارنة بالصحف المحلية الأخرى في مجال التحقيقات .
أضاف: إن الإعلام الورقي كله في تراجع وهناك من يقول إنه ربما سيلغى، ولذا هناك تحد كبير أمام الإعلام المطبوع لكي يستطيع الاستمرار، لأن كل ما يحتاجه الشخص من أخبار يجده بطريقة أسهل وأسرع عن طريق «الإنترنت» برغم أنه أقل عمقاً، ومن لا يقرأ جريدة يعجز عن قراءة كتاب، وهذا ما جعل مخرجات التدريس متدنية، والدليل ما حصل في مسابقة وكالة «سانا» حيث تقدم 250 خريج إعلام، لم ينجح منهم سوى 5 فقط.
ولفت إلى أنه اقترح على صاحب الكشك في كلية الإعلام بيع الصحف، لكنه توقف لأنه لم يجد أي طلب على شرائها!
المحسوبيات
مع أنه كان من المدرسين في قسم الإعلام لعقود، إلا أنه يؤكد عدم متابعته لكل أنواع الإعلام المحلي لأنه لا يوجد كتَّاب أو أسماء تلفته، ويرى أنه خلال خمسين عاماً كان العمل الإعلامي على وجهة واحدة، وتجاهلنا الوجه الثاني الذي استغله عدونا وكانت النتيجة ما حصل في سورية خلال السنوات الماضية من الحرب.
ويقول: إنّ أغلب القائمين على إدارة الإعلام جاؤوا عن طريق المحسوبيات والعلاقات الشخصية ولم يأتوا بكفاءاتهم، وربما لو كانوا مهنيين لكان إعلامنا أفضل من ذلك بكثير، فالإعلام الجيد هو إعلام مهني، وليس علاقات عامة.

طباعة

عدد القراءات: 3