الاتحاد الأوروبي الذي ظهر بعد الحرب العالمية الثانية، واشتد عوده إبان الحرب الباردة كقوة عسكرية واقتصادية وسياسية ضاربة، وركيزة مهمة في الصراع بين الشرق والغرب، وحجر الزاوية في أي اتفاق أو صراع بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، يلفظ أنفاسه الأخيرة اليوم، وهو مهدّد بالتشرذم والانقسام، وليس له حول ولا قوة، وإن كتب له البقاء على قيد الحياة، ولن يكون -كما كان- (جيشاً أطلسياً وجواز سفر موحداً.. وحدوداً مفتوحة.. ويورو موحداً) وإنما في أحسن أحواله علاقات فردية ثنائية مع جيران الأرض، وما عدا ذلك فلن يكون ملزماً لدول الاتحاد.
نعم الرموز الأوروبية تتهاوى، وأحجار الزوايا تتساقط تباعاً، فهذه تيريزا ماي رئيسة الوزراء البريطانية تعلن استقالتها في 24/5 بعد أن عجزت عن إقناع البرلمان بأن لديها خطة قابلة للعيش والتنفيذ من أجل خروج بريطانيا من الاتحاد الموما إليه، وهي التي كانت في الأمس القريب الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، أما اليوم فهي مجرد جزيرة غارقة في بحار الأزمات والصراعات الشعبوية المتطرفة.
ألمانيا الاتحادية ليست أحسن حالاً، فقد أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، المرأة الحديدية وعمود البيت الأوروبي، هي الأخرى عدم الترشح مجدداً لمنصب المستشارة بعد نهاية ولايتها الرابعة في العام 2021، على خلفية الهزيمة المدوية لحزبها الذي تتولى قيادته منذ 18 عاماً في انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة.
الأوضاع في القارة الأوروبية تبدو معقدة، وفي حالة انقسام وأفول، ويسرع بذلك بروز أصحاب النزعة الشعبوية من التيارات المتطرفة الذين يرفضون البقاء تحت مظلة الاتحاد الأوروبي وقد غذتها وساعدتها السياسة الأمريكية التي اتسمت وتتسم بالأحادية والعدائية والتبعية.
بل لا يترك ترامب أي فرصة لتوبيخ القادة الأوروبيين، وتذكيرهم بأن الجيش الأمريكي أنقذ القارة مرتين ولن يفعلها مرة ثالثة، وعليهم الدفاع عن أنفسهم أو الدفع لحمايتهم.
بات ثابتاً أن الطلاق يدمر الأسرة الأوروبية، وزواج المصلحة من أربعة عقود آن له أن ينتهي، وما التشدد من الاتحاد حيال خروج بريطانيا إلا خشية أن تتلمس بقية الدول فوائد المغادرة وينفرط عقد الاتحاد تباعاً.. ولكن صعود الشعوبيات وولادة الشكل الجديد من الفاشيات المعاصرة، إضافة لرغبة الولايات المتحدة في تفكيك الاتحاد الأوروبي ستسرع في نهايته.

print