«أبو الحرب» هرقليطس، الفيلسوف اليوناني، الذي شهد -حتى موته- الحرب بكل فصولها ومعاركها، وكان حاضراً على زحوفات عسكرية ومعارك، عاصرها وقرأها قراءة الفيلسوف المتفائل برغم المرارات والويلات التي لابدّ من أن الحروب ستنتجها، لكنه كان مؤمناً بأن التاريخ يتحرّك على ساقين من دون توقّف، ويتحسّن أيضاً من دون توقف، وبأن الكون في صيرورة متدفّقة، ولا يمكن أن يبقى شيء كما كان.
فظاهرة الحرب من الظواهر التي لازمت الإنسان منذ الكتابة الأولى للتاريخ، وكانت ومازالت جزءاً مهماً ومؤثراً في حياة الإنسان والبشرية، والجزء الأهم سوسيولوجياً بعلاقاته مع الآخر، التي تحددها الحرب.. حينها لابدّ من أن الحروب ستكون المؤشر البياني الذي يحدد مصائر الناس فيما لو اختاروا أن يكونوا سادة أو عبيداً، على حدّ تقدير «هرقليطس»، فالمنظور العام للحرب أنها ممارسة قتالية فعلية صادرة عن السلوك والعقل الجمعي للمجتمع، وهي إما أن تكون دفاعاً عن النفس وعن الوطن ورد كيد الطامعين –وهذا حق شرعي- وإما رغبةً في تحقيق المجال الحيوي المتمثل في المكاسب التي يسعى إليها الطُغاة والمعتدون من دون شرعية تُذكر، من خلال فرضية القوة المتمثلة في قيام الحرب.
مما لاشك فيه أن الفكر الإنساني يتطوّر ولا يقف عند فيلسوف، والاكتشافات العقلية في «اللوجوس/ العقل» لا تنتهي، لكن فرضية «هرقليطس» بأن الحرب تحدد مصائر الناس (سادة أو عبيداً)، تعدّ من البدهيات في ثقافة شعوب، اعتادوا عزة النفس والكرامة وشرعية الحقوق، و من المهم التمثل بفكرة «هرقليطس» بأن الحرب هي أمّ الأشياء كلها، وإذا ما تم إسقاط الفكرة على الحالة السورية، والحرب التي دامت عليها سنوات ثمانياً ومازالت، بتنوع مسمياتها حالياً، فإن من يطّلع على مجريات الحرب والمنهج التدميري الذي استهدف الدولة السورية، وحجم القوى التي شاركت في الحرب عليها، وطبيعتها، ومن ثم يقارنها بالنتائج التي تحققت بإرادة شعب وجيش وقيادة، يدرك تماماً المعنى الحقيقي لفكرة «هرقليطس»، لتكون دمشق، المدينة الأقدم تاريخياً، حاضرة –ولاتزال- بتقديم الصور الاستثنائية عن كيفية الولادة من جديد من رحم الحرب.. أما النظرية الثانية التي صدّرتها الدولة السورية، فهي أن سرّ النصر يكمن في بنية الدولة ومؤسساتها، ويكمن أيضاً في طريقة إدارة الحرب، والاستراتيجية المعتمدة في المواجهة، وصوابية انتقاء الحلفاء والأصدقاء، لتكون الخطة التالية ما بعد الحرب مرحلة إعادة الإعمار، التي حددها السيد الرئيس بشار الأسد «أولى الأولويات في سورية، بما يدعمها من الاستمرار بمكافحة الإرهاب حتى تحرير كل الأراضي السورية مهما كانت الجهة التي تحتلها، وتعديل القوانين والتشريعات بما يتناسب والمرحلة القادمة، ومكافحة الفساد، وتعزيز الحوار بين السوريين، وعودة اللاجئين الذين غادروا سورية هرباً من الإرهاب، وتنشيط المسار السياسي الذي يعرقله بعض الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية».
لذلك يا «هرقليطس»، السوريون (سادةٌ) دائماً، في الحرب وفي السلم، وقادرون على تحقيق فعل الولادة من الحرب (الأم) التي ستنتج مستقبلاً يليق بدولة بحجم سورية.

m.albairak@gmail.com

طباعة

عدد القراءات: 56