غادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بريطانيا بعد زيارة استمرت ثلاثة أيام, واتسمت بالرفض الشعبي والسياسي لترامب الذي وصفه الساسة البريطانيون بأنه فاشي القرن الحادي والعشرين. زيارة لم يرد ترامب أن تبقى مقتصرة على الاحتفال بالذكرى 75 للإنزال في النورماندي, بل انتهزها للتدخل في شؤون بريطانيا التي تشهد أزمة سياسية بسبب «بريكست» واستقالة رئيسة الوزراء تيريزا ماي.
ورغم ما رافق هذه الزيارة غير المستحبة بريطانياً من مشاحنات وخلافات بينه وبين الساسة البريطانيين الذين طالبوه بعدم التدخل في شؤون بلادهم الداخلية, إلا أن ترامب أعطى «الطرشاء» لكل ما أثير من جدل حول زيارته ودخل بشكل فاضح على خط الأزمة السياسية البريطانية ليحرّض لندن علانية على وقف المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي والخروج منه من دون اتفاق, ورفض دفع 39 مليار جنيه إسترليني متفق عليها كفاتورة الطلاق بين الطرفين.
كما لم يخفِ ساكن البيت الأبيض دعمه لوزير الخارجية السابق بوريس جونسون لرئاسة الحكومة البريطانية, ما يثير التساؤل عن الهدف الذي يطمع ترامب لتحقيقه من وراء الدعم العلني الذي قدّمه لمرشح واحد من بين 12 مرشحاً لمنصب رئيس الوزراء؟ خاصة إذا علمنا أن جونسون يعدّ الأقل شعبية في أوساط النواب نظراً لدوره الأساسي في الدفاع عن «بريكست» وزلّاته الكثيرة.
ليس سراً على أحد أن ترامب يريد من وراء إيصال جونسون إلى السلطة مرة أخرى، أن يحيي تبعّية لندن المطلقة لواشنطن بهدف دعم مصالحها ومخططاتها على مستوى العالم, وذلك من خلال تكرار معادلة «بوش – بلير» التي كانت قائمة عام 2000 عندما كان رئيس وزراء بريطانيا توني بلير يوافق على جميع سياسات جورج بوش الابن دون قيد أو شرط.
ناهيك عن أن ترامب يريد ضرب عصفورين بحجر واحد، العصفور الأول يتمثّل في أن واشنطن تعتزم إضعاف «الأوروبي» وتقويض الوحدة بين أعضائه وذلك لأن الاتحاد الموحد والقوي لا يمكنه أن يخدم مصالح البيت الأبيض، أما العصفور الثاني فيتمثّل بمحاولات واشنطن التقرّب من بريطانيا كقوة عسكرية كبرى في أوروبا.
وعليه, فقد قدم ترامب خلال زيارته الكثير من الوعود الاقتصادية البرّاقة للجانب البريطاني بهدف جرّ المملكة المتحدة طواعية إلى الحضن الأمريكي بعد طلاقها من «الأوروبي».

print