ما إن افتتحت عدة مطاعم في دمشق القديمة منتصف التسعينيات حتى علا بعض الصرخات ضد تحويلها إلى «مطبخ كبير تنتشر منه روائح زيت القلي والدهون المحروقة»، ثم درجت عادةُ أن تستضيف تلك المطاعم والمقاهي نشاطاتٍ ثقافية، ومعارض فن تشكيلي، ومحترفات أو مختبرات مسرحية أشرف عليها بعض الفنانين ممن رغبوا في أن تكون دمشق القديمة خليّة نحل فنيّة وليس فقط أكواماً من حجارة منسيّة تحت ركام عقود من الإهمال.

اليوم في رمضان هذا العام تشعر بأن شيئاً منعشاً عاد وتفتّح في نسغ المدينة القديمة مثل زهر اللوز، ومشمش الشام وجلنار الغوطة، بارداً تطيب له الروح مثل ماء الفيجة المتدفق من سُبل الماء، حنوناً مثل قططٍ أليفةٍ تجول في المكان كما لو أنه خُلق لها وخُلقت له منذ الأزل.

اليوم، في رمضان الحالي تسهرُ الشامُ القديمة على أنغام «السّماع» ورقص المولوية التي تزيّن سهرات الناس في المقاهي والمطاعم التي اعتادت أن تقدّم تنويعاتٍ من البهجة، بدءاً من المأكولات التي يشتهر بها المطبخ الشامي، مروراً بما لذّ وطاب من الحلويات الدمشقية والسكاكر وحَبّ السوس، وصولاً إلى صحون الفول النابت والترمس وشراب التمر الهندي والتوت الشامي.

البهجة إذاً متعددة، فالراحة التي يتحسسها الصائمون، واللمّة الحلوة والخير العميم والإحسان إلى الآخرين والاهتمام بترقية النفسّ وتهذيبها والسير بها نحو الأجمل والأنقى كلّها موجودة، وهناك أيضاً عيون الأحبة التي تتلاقى، وحميمية الصداقات التي عادت لتجتمع على موائد رمضانية لها نكهتها وسرّها الجاذب.
وفي رمضان هذا العام ستجد «رقصة المولوية» قد انتشرت مع المدائح النبوية والإنشاد المرافق للمولوية: “يا إمام الرسل يا سندي/أنت باب الله معتمدي/وبدنيايَ وآخرتي/يا إمام الله خذ بيدي)، ثم يردد المنشدون عبارة (مدد مدد يا رسول الله مدد/مدد مدد يا حبيب الله مدد) وتتزايد سرعة الراقصين في الدوران بشكل مذهل حتى تصل إلى قمتها مع العبارة الأخيرة والجميع يدورون على سريرٍ من موسيقا تصدح من آلاتٍ شرقيّةٍ وضع الله فيها سرّاً من أسرار الموسيقا الكونية فأورقتْ مسامعُنا وازدهتْ أرواحنا بعلاماتها ونوتاتها وطربيّتها.

وفي جولة لـ«تشرين» على إحدى السهرات الرمضانية التقينا المغنّي «هيثم زهر الشام» الملقّب بـ«هيثم فخري» لرخامة وفخامة صوته، والذي يمتلك في رصيده خمساً وعشرين سنة من الخبرة، آخرها حفلة في دار الأوبرا بقيادة المايسترو «نبيل أبو الشامات»، ولديه أغنيتان خاصتان من كلمات توفيق عنداني؛ واحدة من ألحان سعيد قطب والثانية بتوقيع أنور دياب آغا… وسألناه: ما الذي تعنيه له المشاركة في سهرات رمضانية بمصاحبة فرقته «نغم الأمس»، وهل تختلف في رأيه عن غيرها في بقية الشهور؟ فيقول: «في رمضان هناك اختلاف بنوعية المشاعر ونوعية الحضور لجهة كثافته، لأننا نرى أن معظم أفراد العائلة يحضرون ويتفاعلون مع البرنامج المخصص الذي يتضمن إلى جانب الغناء رقصات المولوية وفقرة الحكواتي وقصصه الممتعة، وهذا عكس بقية الشهور حيث نجد شخصين أو ثلاثة قدموا ربما من أجل العشاء أكثر مما هو من أجل أجواء أو طقوس رمضان».

وهل تختلف، حسب تجربتك الطويلة، أجواء رمضان هنا عن مثيلاتها في بلاد عربية أخرى؟ يخبرنا بأنه «عاش الغناء مدة ستّ سنين في لبنان، وأن فيه أيضاً متعةً من نوع آخر ربما هي متعة لها علاقة بالشهرة الإعلامية أكثر، لكن لرمضان في بلد الإنسان الأصل نكهة مختلفة لما فيه من وجدانيات وحميمية نابعة من التعوّد على الطقوس التي عشناها منذ طفولتنا، وكبرت معنا وها نحن نقدّمها كما لو أنها جزءٌ لا يتجزّأ من حياتنا وتنفّسنا وعاداتنا».

هكذا هي دمشق إذاً، مدينةٌ تتيح للمتسكّع أو الزائر العاشق حريّةً نادرةً، هي حريّة الذوبان في الزحام، حريّة أن يرى الأشياء من حوله ويذوب في ألفة المكان، أن يراهُ الآخرون ويذوبون هم أيضاً في زحام آخر من دون أن يلاحظوه، وربما لذلك أمشي في أزقتها وأفكّر بتحولات المدينة وتحولاتنا معها، وبأننا باقون فيها ومعها بقدرة الحب بكونه إحدى صفات الغيب التي تلبسُها الشام مثل جُبّةِ الصوفيِّ وتدور بنا في فلك الزمن السرمديّ.

طباعة

عدد القراءات: 41