يداوون وهم متعبون، ويحتاجون من ينظر إلى مشكلاتهم وقضاياهم المعروفة منها والظاهرة أو المخفية في مجال مهنة الصيدلة، ولعل أبرز المشكلات قصة «المتصيدلين» المتطفلين على مهنة الصيدلة كما الكثير من المهن الأخرى.
فمن محافظة حماة هناك من يتحدث عن أن عدد الصيدليات المخالفة يفوق عدد الصيدليات التي تدار نظامياً أو من أشخاص اختصاص صيدلة، وأن إجراءات قمع هذه الظاهرة لا تحظى بالاهتمام الكافي أو الحزم المطلوب، وكل المحاولات والحملات على الصيدليات المخالفة تنتهي من دون نتيجة!
في هذا الموضوع يعرض بعض الصيادلة الكثير من القضايا والمشكلات التي تعترض مهنتهم في مختلف المحافظات، ولاسيما إذا علمنا أن عدد الصيادلة المسجل في سورية حتى 2018 يبلغ نحو22870 صيدلياً، وأن هناك أكثر من 6 آلاف صيدلية نالت منها الحرب كما الكثير من المنشآت الأخرى، ودمرت جزئياً أو كلياً، كما يؤكد نائب نقيب صيادلة سورية د. حسام الشيخ.

أخطاء قاتلة
قد يكون مفهوماً أن يمارس مهنة الصحافة مثلاً أشخاص غير صحفيين، فأضرار هذا على الحياة ليست كارثية كما الحال عندما يعمل في مهنة الصيدلة أشخاص غير مختصين، الصيدلانية خطيرة ديب من محافظة اللاذقية تتحدث عن الكثير من هموم المهنة، وفي مقدمتها أولئك «المتصيدلون» الدخلاء على هذه المهنة، وهؤلاء يمارسون مهنة الصيدلة ويدَّعون التميز ثم يتركون خلفهم أخطاء قاتلة، فهناك من يستأجرون شهادات صيدلة ويفتحون صيدليات وهم يحملون شهادات قد لا تتجاوز في الكثير من الأحيان الثانوية، وأحياناً الإعدادية!
وتضيف الصيدلانية ديب أن من بين مشكلات مهنتهم أيضاً تعدد الأسماء التجارية للمركب الدوائي نفسه، إضافة لكثرة أعداد المستودعات التي تعمل كلها بالأصناف الدوائية ذاتها.
ومن بين القضايا اليومية المزعجة في مهنتهم التعامل معهم وكأن الأدوية سلعة تباع على البسطات وقابلة للمساومة على السعر، وذلك بسبب سوء الأوضاع المادية عند الكثير من مراجعيهم، وهو ما يجعل الصيدلاني في حالة لا يحسد عليها بين أن يلبي أصحاب هذه الشريحة وواقع الحال الذي لا يسمح بتلبية كل هذه الطلبات.
واقع مرير
يضيف الصيدلاني خلدون حسون من محافظة السويداء أن الواقع المادي لشريحة كبيرة من الصيادلة واقع مريع على عكس ما يتوقع البعض، فقد انخفض دخل الصيادلة خلال هذه الحرب بشكل كبير لعدة أسباب منها: انقطاع الدواء في فترات سابقة، و ازدياد أعداد الخريجين من الصيادلة، كذلك رأس المال الكبير الذي يحتاجه الصيدلاني ليؤسس صيدلية …الخ، ونحن-الصيادلة- نعامل معاملة المهن التجارية الأخرى لناحية ضريبة الدخل ورسوم النظافة وأجور الكهرباء، وفي نواحٍ أخرى نعامل على أننا مهنة علمية خدمية وإنسانية، فالصيدلاني يتقاضى شريحة الربح ذاتها لأي مهنة تجارية أخرى، فأين مردود الشهادة العليا والدراسة المتعبة ً؟ فجميع المهن العلمية الأخرى تتقاضى أجرها أو مردودها المادي تبعاً لدرجة التحصيل العلمي كما في نظام العاملين في الدولة، والمهن الحرة مثل الأطباء والمهندسين ..الخ، فما هي فائدة الدراسة كل هذه السنوات إذاً؟علماً أن القانون النقابي كفل لنا الحق في الأجر العلمي أو الفكري، وما زلنا نطالب بهذا الحق من أجل إنصاف الصيادلة.
يضيف د. حسون أن مهنة الصيدلاني مثل أي مهنة أخرى على مساحة هذا البلد، الذي يتعرض منذ أكثر من 8 سنوات لحرب ظالمة ومدمرة، فقد دمر الكثير من الصيدليات والشركات الدوائية في المناطق التي طالتها يد الغدر والخيانة، وتأثرت مهنتنا بالعقوبات الاقتصادية المفروضة على سورية، والتي أدت إلى منع أو تأخير استيراد حليب وأغذية الأطفال والمواد الأولية اللازمة للصناعة الدوائية وتالياً حدوث نقص في الأدوية، وكذلك نقل الدواء من الشركات الدوائية ووصوله للصيدليات شكل عقبة كبيرة، فقد قطعت بعض الطرق بفعل الجماعات الإرهابية، وارتفعت أجور النقل، نتيجة خطوط النقل الطويلة وارتفاع أسعار المحروقات، ما شكل أعباء على الصيادلة مع بقاء أسعار الدواء ثابتة، وكذلك انقطاع التيار الكهربائي أثر في الإنتاج حيث كانت الشركات قبل الأزمة تعمل على مدار 24 ساعة، وهناك الكثير من المعوقات التي لا مجال لذكرها، وقد تم حل بعض هذه المشكلات من خلال تأمين المواد الأولية وبعض الأدوية من الدول الصديقة مثل روسيا وإيران والصين والهند وروسيا البيضاء، وتوافرت الأدوية الوطنية بنسبة تزيد على 85% من الحاجة.
بلا تعويض
من ريف حماة تتحدث الصيدلانية دارين سليطين عن الحال ذاتها، وتبدأ الحديث عن مشكلات مهنتهم خاصة خلال الحرب.. تقول سليطين: إن الحرب أفرزت كماً هائلاً من المصائب على الجميع، وكان للصيادلة نصيب منها، فهناك الكثير ممن خسروا صيدلياتهم ومنازلهم وأجبروا على الهجرة والبحث عن عمل، و لم يعد خافياً ما تعرض له أصحاب المعامل في المناطق التي كانت ساخنة من تضييق على عملهم وتعرضهم لصعوبات كبيرة عند نقل منتجاتهم
وتؤكد سليطين أن الجزء الذي لم يأخذ حقه من الاهتمام هو عدم التعويض على الزملاء المتضررين أو الذين أصبحوا عاطلين عن العمل، من دون أن يجدوا من يتبنى مشكلاتهم!
تضيف الصيدلانية سليطين أن من مشكلات عملهم خلال سنوات الحرب أيضاً غياب زمر دوائية بالكامل عن رفوف الصيدليات بسبب توقف بعض المعامل عن العمل سواء كلياً أو جزئياً، وكان هذا سبباً لمشاكل كبيرة في عملهم، وأنهم خلال سنوات الحرب خسروا التخطيط لمستقبل المهنة بشكل كامل، وأصبحت هناك عشوائية كبيرة من حيث استقبال أعداد هائلة من الطلاب، وعندما يصبحون صيادلة يكتشفون أنه لا توجد سوق عمل قادرة على استيعابهم، خاصة مع الصعوبات البالغة لبدء مشاريعهم الخاصة وفتح صيدلياتهم، وإذا حصل هذا يواجهون أسئلة من نوع: هل يمكن لهذه الصيدلية أن تؤمن لهم الدخل الكافي والحياة اللائقة بمكانتهم بعد كل سنوات الدراسة والمبالغ الكبيرة المطلوبة لفتح الصيدلية بالتزامن مع كل هذه التخمة بأعداد الصيدليات، وتعتقد سليطين أن هذه الأسئلة برسم من يخططون لمهنة الصيدلة؟
وعن أهم مشكلات مهنتهم تقول سليطين: هناك نوعان من المشكلات:
مشكلات موروثة ناتجة عن التغاضي عن تفاصيل قانون مزاولة المهنة من قبل المعنيين مباشرة بمتابعة تنفيذه، ومشكلات ظهرت بعد التحولات الأمنية والاقتصادية في البلد.
وترى أن المشكلة الأبرز هي انتحال الصفة العلمية والمهنية للصيادلة تحت مرأى ومسمع وزارة الصحة ونقابة الصيادلة ومنذ سنوات طويلة، وترى أن هذا يتم بالتواطؤ مع بعض الصيادلة الذين استغنوا عن شهاداتهم لسبب أو لآخر. وترى أن المشاكل المادية للصيادلة يعود سببها لأمرين:
أولهما تطبيق مغلوط لقانون التسعير الصادر عام 2015 عن رئاسة الحكومة، والذي يمنح الصيدلي هامش ربح معيناً تم اقتطاع جزء منه لمصلحة معامل الأدوية، وهذا خفض من هوامش الأرباح لدرجة تمنع أي صيدلي يريد العمل بضمير مهني يقظ من تأمين حياة كريمة له ولأسرته،
خاصة في ظل غياب كل الميزات التي تتناسب مع شكل المهنة كإنسانية ومن ثم علمية وتجارية، سواء من حيث فواتير الكهرباء والماء التي تعامل معاملة التجارية، وكذلك الضرائب التي تعاملت فيها وزارة المالية مؤخراً بطريقة سببت أعباء مالية كبيرة على الجميع، وكذلك الحال مع خسائر انتهاء الصلاحية التي تتحملها الكثير من الصيدليات بسبب اعتماد طريقة التحميل، فعند محاولة تأمين أدوية مقطوعة تحمل عليها أدوية لم تعد صالحة.
أما السبب الثاني فهو آلية التسعير المعتمدة مؤخراً والتي ترى سليطين أنها تقلل كثيراً من احترام الصيدلاني أولاً لأنه مجبر على الالتزام بالتسعيرة التي تكثر فيها أجزاء الخمسين ليرة، وهذا يتطلب منه جولة عمل يومية لتأمين «الفراطة»، ويصبح عليه إما أن يترك «الفراطة»، أو يجبرها لأقرب رقم ممكن، وفي الحالتين تسجل مخالفة عدم التزام بالتسعيرة، وهذه خسارة إضافية للربح الهزيل المتروك للصيدلاني أصلاً.
أسباب الظاهرة
الدكتور الصيدلاني محمد الحمزاوي يؤكد أن ظاهرة «المتصيدلين» انتشرت بشكل واسع خلال فترة الأزمة، حتى أصبحت تشكل تهديداً للأمن الصحي للمواطنين، الأمر الذي يفرض معالجة هذه الظاهرة وإزالة أسبابها.
وعن أسباب انتشار هذه الظاهرة يرى د. الحمزاوي أن المشكلة تبدأ من تخريج عدد لا يقل عن ألفي صيدلاني سنوياً من طلاب 14 كلية صيدلة خاصة، ومع اكتظاظ الأرياف بالصيدليات، أصبح بعض الخريجين «الخريجات» خاصة تعمد إلى تأجير شهادتها في الأرياف ريثما تنتهي الخدمة المقررة في الريف مدة عامين، وأنه في البداية كان الطلب عليها من قبل ممرضين وخريجي المعاهد الصحية، ومع الوقت أصبحت النظرة لهذا المشروع تجارية بحتة لاستثمار أرباح الصيدليات، وأصبح أشخاص لا يمتون للوسط العلمي الصيدلاني الأكاديمي بصلة يستأجرون شهادات لتأسيس صيدلية في الريف، ثم بلغت الجرأة من البعض حد ممارسة المهنة في مراكز المدن كما في حماة وحمص والسلمية، ويؤكد د. الحمزاوي أن نسبة «المتصيدلين» تصل إلى أكثر من 60% في بعض أرياف المحافظات، ناهيك بوجود صيدليات غير مرخصة أصلاً كما في درعا والحسكة.
وعن أخطار هذه الظاهرة يقول د. الحمزاوي أن «المتصيدلين» لا يستطيعون تقديم المشورة الطبية للمريض، كما أنهم يتعاملون بجشع مادي لأنهم لا يأبهون للقيم الإنسانية، فقد يروج بعضهم لأدوية نفسية ومخدرة لتحقيق الربح الوفير. ولأن الوضع الأمني في البلد استقر يقترح د. الحمزاوي علاج هذه الظاهرة من جذورها ويرى أن يكون ذلك من خلال وضع ضوابط جديدة لشروط خدمة الريف، وإعطاء الأولوية في فتح الصيدليات لأبناء القرى أنفسهم من خريجي الصيدلة، ورفع نسبة السماح من صيدلية لكل 5000 نسمة إلى صيدلية لكل 500 نسمة، إضافة إلى فرض عقوبات نقابية على الصيدلاني الذي يؤجر شهادته وحرمانه من ميزات الانتساب لنقابة الصيادلة لكيلا يؤجر شهادته، والأهم وضع سياسة استيعاب جديدة لخريجي الصيدلة أسوة بدول الجوار، وبما ينسجم مع الخطط التنموية المقترحة، وليس بشكل عشوائي كما يحصل الآن.
مسؤوليات جسام
نائب نقيب صيادلة سورية د. حسام الشيخ يصف مهنة الصيدلة بطريقة مختلفة فهو يرى أن لهذه المهنة فضاء صحياً واجتماعياً بامتياز، يتم الولوج إليه من طرف عامة المواطنين،
مجاناً ومن دون موعد مسبق، الشيء الذي يجعل منها قوةَ تواصل خارقة، ويصفها بأنها صمام الأمان الأخير ضمن الحلقة الطبية في الشق الصحي، ويتحدث د. الشيخ عن ثلاثة محاور أساسية:
أولها: أن عملية صرف الدواء تكتسي أهمية خاصة، لكونها تضمن حماية المواطن من كل ما من شأنه أن يشكل خطراً على صحته، وتتجلى أهمية هذه العملية في أن يتحمل الصيدلاني مسؤوليات جساماً، علمية مهنية, ومسؤوليات مدنية، تأديبية بل حتى جنائية.
وثانيها: مراقبة وتتبع المريض في عملية التداوي، حيث تتم الإجابة داخل الصيدلية عن كل الأسئلة التي قد يطرحها المواطن عن مسار علاجه والمعوقات التي يُحتمل أن تقوض عملية التداوي، أو الآثار الجانبية لدواء ما، إلى غير ذلك من تلك التساؤلات. ثالثاً: الوقاية والتوعية الصحية، حيث يقوم الصيدلاني بمجهودات كبيرة في مجال التوعية الصحية، سواء تعلق الأمر بالوقاية من الأمراض السارية والأمراض المزمنة، أومحاربة التدخين، أو الأمراض التي تنتقل جنسياً، ومهماتهم هذه قد تجنب الكثير من المواطنين ويلات المرض، ويساهم كذلك في التخفيض من نفقات التكلفة الصحية بالنسبة لهم، كما يساهم في ترشيد استهلاك الدواء أحياناً أخرى.
لا تساير التطور
يضيف د. الشيخ: إنه مقابل كل ما يقدمه الصيدلي من خدمات لا يتم الالتفات إليه للأسف الشديد، والنظر إلى ما يعانيه عند ممارسة مهنته، فهناك العديد من المشكلات ومنها:
– النصوص القانونية غير المسايرة لتطور المهنة من جهة وللواقع المعيشي في مجتمعنا.
– عدم ربط الترخيص بفتح صيدلية بما يسمى بالرقم القافل أي ربط عدد الصيدليات بعدد السكان، طبقاً لتوجيهات منظمة الصحة العالمية، والهدف هو المحافظة على التوازن المهني والاقتصادي للصيدليات، لمساعدة الصيدلاني على تقديم خدمات في المستوى المطلوب للمواطن.
– المنافسة التي يعانيها الصيدلاني من طرف الكثير من الجهات ومنها المستشفيات الخاصة، الجمعيات، الصيدليات النقابية.
_موضوع الأدوية منتهية الصلاحية والتي تعد عبئاً مالياً إضافياً لكون قلة من المعامل الدوائية ترضى باسترجاعها، ما يضطر الصيدلاني إلى إتلافها…. وما يطالب به الصيادلة هو العمل على إيجاد طرق بديلة تسمح بتعويض الصيدلاني عما يقوم به، فهل يتقاضى الصيدلاني أكثر مما يستحق يسأل د. الشيخ؟
الأقل
ويضيف: مقابل كل ما يقوم به الصيدلاني وما يتحمله من مسؤوليات، يتقاضى هامشاً من الربح يتراوح بين ١٤ إلى ١٦ %، وإذا تم خصم المصاريف الضرورية لتسيير الصيدلية، الأجور، الماء، الكهرباء، الضرائب يصبح الهامش الصافي في حدود 8 %، لذلك يمكن عد المواطن الصيدلاني من الذين يعيشون ويعانون في صمت. يضيف نائب نقيب صيادلة سورية د. حسام الشيخ أن شريحة ربح الصيدلة أقل شريحة بين كل المهن، فهي لا تتجاوز 14- 16% وهذه النسبة لتغطية كل تكاليف حياة الصيدلاني، بينما تصل هذه النسبة في الدول المجاورة مثلاً من 22-25%. وأن الصيادلة لم يكن ينقصهم ما حصل خلال الثلث الأول من عام ٢٠١٨ عندما تم تفعيل ما يسمى لجان الاستعلام الضريبي التي استهدفت الصيادلة.

طباعة

عدد القراءات: 4