وسط زمجرة وقعقعة وقرقعة وهدير كل أنواع وصنوف الأسلحة، تعيش منطقتنا على صفيح ساخن لتزيد من حرارتها أكثر مما هي عليه من غليان، وكأن قدرها مفطوم ومحتوم على رائحة البارود المنكّه بعطر النفط والغاز والدولار.
نعم، الأجواء ذاتها، ومشاهد التوترات ذاتها، والنياشين ذاتها، والصقور ذاتهم، والمنابر ذاتها، والتهديد والوعيد ذاته، والماكينة الإعلامية ذاتها، وإن تغير المذيع والمحرر والمعد والمخرج والممول.
ما أشبه اليوم بالأمس، فعندما نجحت الثورة الإسلامية في إيران (1979)، افتعل اللاعبون ذاتهم حرباً ضروساً استمرت ثمانياً عجافاً، بين العراق وإيران (1980- 1988)، ولم تصل النتائج لخواتيمها التي أرادها معد المسرحية ومخرجها (الصهيو-أمريكي)، فإيران اشتد عودها وزادت قوتها، وصدام العراق تمرّد وتجبّر، فوقع في فخ احتلال الكويت 1991، ليأتي الجزء الثاني على غرار بعض المسلسلات العربية التخلص من العراق وصدام حسين (2003) بعد أن انتهى دوره.
اليوم، يعاد تنشيط وإحماء طبول الحرب بعد زهاء 40 حولاً في المنطقة ذاتها (الخليج- هرمز- باب المندب) ويزداد توتراً مركباً يوماً بعد يوم.. لست أعلم هل الأقدار أم المصادفات.. أم كما يقال «السياسة علم وليس للمصادفات فيها نصيب».. فقارع الطبول والمهلل لها وأهم صقورها جون بولتون مستشار الأمن القومي هو ذاته كان يشغل منصب مساعد وزير الخارجية (2003) في الحرب على العراق وتدميره.
يقال إن ساكن البيت الأبيض ليس برجل السياسة المخضرم الذي جاء من مطابخها، وهو في الوقت ذاته ليس برجل أعمال تقليدي.. لكنه داهية يحيك الصفقات بشكل علمي وممنهج، وأساليب صفقاته القذرة يدرسها ويطبقها مريدوه عبر فصول وأبواب كتابه (فن الصفقة) الذي ألفه في الثمانينيات، وهو اليوم يجاهر ويفاخر بأنه يجيد فن إتمام الصفقات بمنطق التاجر، ولا يرعى أي اهتمام أو اقتراح للمؤسسات والقوانين والاتفاقيات الدولية.
لاشكّ أن واشنطن و«إسرائيل» وبعض المشيخات يدفعون للحرب، ولكن هذه المرة بين إيران وحلف السعودية.. وهذا ما يسعى إليه التاجر ترامب الذي ما فتئ يطالب آل سعود بحق الرعاية والحماية و«حلب ضروع» واستنزاف إيران.
لكن إيران واعية لذلك بكل حكمة ودراية ومسؤولية… ليس لأنها غير جاهزة للحرب، بل لأنها تعرف أن المنطقة العربية والإسلامية ستكون ميداناً، وأول الرابحين هو «إسرائيل».

طباعة

عدد القراءات: 4